وهذا ابن حبان يرحمه الله - وهو ممن ذكره بعض الأئمة بالتشدد في الجرح - كثيرًا ما يقول في تراجم كتابه «المجروحين» و «الثقات» : «وفلان ممن أستخير الله تعالى فيه» ، فلو كان يتكلم بهوى لما استخار الله عز وجل، وهذا دليل على أنهم يرحمهم الله يتقون الله فيما يقولون، بل إن الإمام منهم كان يناله من بعض الرواة غلطة وقسوة، ومع ذلك يمدحه مدحًا رفيعًا، فهذا يحيى بن معين كان يسير هو وأحمد بن حنبل وأحمد بن منصور الرمادي، والأخير منهم غلام صغير، فمروا بدار أبي نعيم الفضل بن دكين، فقال ابن معين: «أريد أن اختبره» - أي يتأكد هل هو ثقة ثبت يَعرف حديثه من حديث غيره أم لا - فقال أحمد: «لا تفعل فإنه ثقة» ، فأصر يحيى وأخذ ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وأدخل بين كل عشرة أحاديث حديثًا ليس من حديث أبي نعيم، ثم جاءه وقال: «أريد أقرأ عليك هذه الأحاديث» ، فأذن له، فقرأ العشرة الأولى، وأبو نعيم يقول: «هذا من حديثي» ، فلما وصل إلى الحديث الأول من الثلاثة، قال أبو نعيم: «ليس هذا من حديثي اضرب عليه» ، وفعل ذلك في العشرة الثانية وفي الحديث الثاني من الثلاثة، وكذلك في العشرة الثالثة، ولما قرأ يحيى الحديث الثالث علم أبو نعيم ما في الأمر، فأشار إلى الرمادي وقال: «وأما هذا فهو أصغر من أن يفكر في هذا» ، وأشار إلى أحمد وقال: «وأما هذا فورعه يمنعه أن يفعل هذا» ، وقال ليحيى: «وأما هذا فهو فعلك يا فاعل» ، ثم أخرج رجله ورفسه حتى سقط من أمام باب الدار، ثم دخل أبو نعيم داره، فقال أحمد ليحيى: «ألم أقل لك لا تفعل فإن الرجل ثقة؟» قال له: «اسكت، فوالله لهذه الرفسة أحب إليّ من رحلتي» - أي أنه تأكد من تثبت أبي نعيم - راجع القصة بمعناها في «الكفاية» للخطيب وفي «تهذيب التهذيب» ترجمة أبي نعيم.