فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 597

? ومن ذلك وصفهم للراوي بأنه عسر في السماع أي في التحمل، واعلم أن الراوي يكون عسرًا في السماع إذا كان شديد الاحتياط والتحرز ويتمثل تشدده في عدة أمور:

1 -إما أن يكون بمعنى أنه لا يحدث بما سمعه حضورًا، وذلك من ورعه حيث لم يقصده المحدث بالتحديث، كما جاء في «النبلاء» ترجمة عبدالحق بن الحافظ عبدالخالق بن أحمد بن عبدالقادر البغدادي اليوسفي، قال ابن الأخضر: «كان لا يحدث بما سمعه حضورًا تورعًا» .

وقال البهاء بن عبدالرحمن: «كان عسرًا في السماع جدًا» (20/553) ، فكلام البهاء يوضح كلام ابن الأخضر.

2 -وإما أن يكون بمعنى عدم الاكتفاء بالسماع، بل لابد من العرض بعد السماع، ولا يكتفي بهما حتى يجيزه شيخه بالرواية احتياطًا وخوفًا من الغفلة في السماع أو في العرض أو فيهما من الراوي أو من شيخه، انظر ترجمة إسحاق بن إبراهيم الموصلي صاحب «الأغاني» (6/339) «تاريخ بغداد» .

3 -وإما أن يكون ممن يعيد السماع، فلا يقنع برواية شيخه للحديث مرة أو مرتين حتى يكرر عليه ليتأكد، وهذا الوجه الثالث وهو تكرار السماع من الشيخ يحتمل المدح كما ههنا، ويحتمل القدح بمعنى أن الطالب لا يفهم بسرعة وليس من أهل الذكاء والفطنة، فمثال الحالة الأولى: ما جاء في «تاريخ بغداد» ترجمة شعبة بن الحجاج، قال هشام بن عبدالملك: وقال حماد بن زيد: «إذا خالفنا شعبة - كأنه قال: الصواب ما قال - فإنا كنا نسمع ونذهب وكان شعبة يرجع ويراجع ويسمع ويسمّع، وفيه أيضًا: كان إذا لم يسمع الحديث مرتين لم يعتد به ضبطًا منه وإتقانًا وصحة أخذ» (9/265) .

ومثال الحالة الثانية: ما جاء في «مقدمة الفتح» في ترجمة عفان بن مسلم الصفار (ص425) ، ذكر قصة تدل على أن بعضهم تكلم في عفان لأنه كان يكرر ولا يحفظ بسرعة كأقرانه، فراجعها إن شئت. فهذه الوجوه في التعسر في السماع تدل على ديانة وإتقان وتحر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت