قال ابن العربي: (هذه سخافة من أبي جهل تدل على تحقق اسمه فيه، ومن كذّب قول المخبر فقد كذب المخبر، فإن كان خفي ذلك عليه فلقد أحاط به الخذلان، وإن كان ذلك استهزاءً فقد كفى الله رسوله المستهزئين وما يستهزئون إلا بأنفسهم وما يشعرون والصحيح في المعنى أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب كان صدوقًا أمينًا عفيفًا شريفًا حتى حدث عن الله ففاضت عقولهم من الحسد غيظًا، وفاضت نفوسهم من الحسد فيضًا، ولا يحزنك ما يقولون فإنهم لا يكذبونك مخففة أي لا يجدونك كذابًا أبدًا كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا، وإن كانت مُثَقَّلَة فالمعنى بأنهم لا يردون ما جئت به عن حقيقة في نفوسهم فقد علموا أن الذي جئت به حق ولكنهم يظهرون الرد نفاسة ويكون تقدير الكلام فإنهم لا يكذبونك بحقيقة يجدونها في أنفسهم من تكذيبك، ولكن الظالمين يجحدون بآيات الله وقد استيقنوها ظلمًا وعلوًا) اهـ.
وخالف في سبب النزول ابن عاشور فقال: (ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية لأن أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في العارضة: ذلك أن التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذبك، استهزاء بأطماع التصديق) اهـ.
والظاهر - واللَّه أعلم - أن ما ذكره الطاهر بن عاشور ليس علةً لرد السبب لأن أبا جهل إن كان صادقًا فيما يقول فاللَّه قد قال: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وهذا يدل على تناقضه إذ كيف يصدقه بنفسه ويجحد ما جاء به من الآيات البينات.
وإن كان قال هذا مستهزِئًا فالاستهزاء لا يعدو اللسان أما القلب فقد انعقد رغمًا عنه على تصديق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويكون قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) أي: بقلوبهم وإن قالوا: بألسنتهم غير ذلك، ومما يدل على أن أبا جهل كان يعرف صدق رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما روى ابن إسحاق عن الزهري