فهرس الكتاب
وقرب المسلمون سفنهم فربطوا بعضها مع بعض واقتتلوا بالسيوف والخناجر وقتل من المسلمين بشر كثير وقتل من الروم ما لا يحصى وصبروا يومئذ صبرًا لم يصبروا في موطن قط مثله ثم أنزل الله نصره على المسلمين، فانهزم قسطنطين جريحًا، ولم ينج من الروم إلا الشريد، وانتصر المسلمون في هذه الغزوة العظيمة التي تعد الغزوة الفاصلة التي حسمت سيطرة المسلمين على البحر الأبيض المتوسط، وأنهم أصحاب الريادة في مياه البحار فلله در معاوية من فتح شرقًا وغربًا وشمالًا رضي الله عنه وأرضاه.
كان رضي الله عنه من دهاة العرب المشهورين بل كان داهية العرب رأيًا وحزمًا ولسانًا، وكان له حلم ودهاء وجود بالمال قال يومًا:"لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي أو لا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت"فقيل: وكيف يا أمير المؤمنين؟ قال إذا مدوها خليتها وإذا خلوها مددتها"، وكان إذا بلغه عن رجل ما يكره قطع لسانه بالعطاء [1] ."
ومن دهائه أن عمر لما دخل الشام ورأى معاوية قال:"هذا كسرى العرب"، وكان قد تلقاه معاوية في موكب عظيم فلما دنا منه قال: أنت صاحب الموكب العظيم؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك قال:"مع ما يبلغك من ذلك"قال ولم تفعل هذا"، قال:"نحن بأرض جواسيس العدو بها كثيرة فيجب أن تظهر من عز السلطان ما ترهبهم به فإن أمرتني فعلت وإن أنهيتني انتهيت"، فقال عمر:"ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس إن كان قلت حقًا إنه لرأي أريب وإن كان باطلًا إنه لخدعة أديب"، قال:"فمرني يا أمير المؤمنين"، قال:"لا آمرك ولا أنهاك، فقال عمرو بن العاص: "ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه"، فقال عمر:"لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه".
(1) فرسان النهار، لسيد العفاني، 5/ 340 - 341.