الصفحة 170 من 280

روى أبو جعفر في تاريخه: أن سعدًا كما أقحم الناس في دجله أقرنوا أي صار لكل رجل قرين يلازمه أثناء العبور فكان سلمان الفارسي قرين سعد إلى جانبه مسايرة في الماء فقال سعد"ذلك تقدير العزيز العليم"والماء لشدة جريانه يطمو بهم، وما يزال فرس يستوي قائمًا، إذ أعيا ينشز له تلعة فيستريح عليها كأنه على الأرض فلم يكن بالمدائن أعجب من ذلك وذلك يوم الماء، وكان يدعى يوم الجراثيم ومن عناية الله تعالى بالجيش المجاهد أنه لا يعي فرس أحد أثناء عبور النهر إلا جرثومة [1] يريح عليه.

نظر جنود بزدجرد إلى هذه الخيل التي ملأت دجلة وجعلوا يرددون بالفارسية"ديوان أمد"ويقول بعضهم لبعض"والله ما تقاتلون الإنس، وما تقاتلون إلا الجن".

وفزع بزدجرد ملك الفرس وما استطاع أن يخرج من باب قصره المواجه للشاطئ وكان بينه وبين الشاطئ ثلاثة كيلو مترات فدلاه من الشرفات الخلفية لقصره الأبيض في زنبيل ليفر من المدائن ومعه ألف طباخ وألف فهاد وألف بازيار هذه نهاية الطواغيت في زنبيل.

إنه المثل الأعلى في الجندية في كل مكان وكل زمان، كان يقاتل وهو جائع ويقاتل وهو مجهد، ويقاتل وهو مثخن، ويقاتل وهو مريض. قاتل في الصحارى المتوقدة في المناطق الحارة، قاتل على السفوح المغطاة بالثلج في المناطق الباردة، وقاتل في آسيا وفي أوروبا وفي إفريقية، وقاتل في البر، وقاتل في البحر وزرع شهداؤه في كل أرض وسقى بدمه كل ميدان حتى نشر راية القرآن على ثلث المعمورة من العالم في ثلث قرن [2] .

رضي الله عن سعد فاتح العراق وهل يمكن أن ننساه ونحن نرى اليوم ما حل بالعراق، عراق ولا سعد له أو"واسعداه"واعراقاه ولا سعد للعراق.

(1) جرثومه: التراب المجتمع في أصول الشجر، والذي تسفيه الريح، القاموس المحيط للفيروز ابادي،3/ 201.

(2) رجال من التاريخ، علي الطنطاوي، ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت