فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق)، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، أي شيء كمر البرق؟ قال: (ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا) ، قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفا) [1] .
لماذا تعجز أعمال العباد على الصراط؟
تفكر في حال من ستعجز أعماله عن الجريان به، ولماذا ستعجز يا ترى؟ أليس لأنه ما استغل عمره في مرضاة الله؟ وإنما جاء ببضاعة مزجاة من عمل صالح قليل وآخر سيئ كثير؟
قال الملا علي القاري رحمه الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم (حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا) أي: الرجل لضعف عمله وتقاعده عن السبق في الدنيا اهـ [2] .
أبعد هذا يجرأ أحدنا على إضاعة وقته وتسويف توبته، وأمامنا عقبات وكرب وأهوال؛ لا يكون الخلاص منها سوى الرجوع إلى الله تبارك وتعالى والإكثار من الأعمال الصالحة والحمية من الذنوب!
إن الأعمال الصالحة هي مطايانا على الصراط، فالمسارعة على الصراط ستكون بالعمل الصالح فحسب، وليس بالجاه والمال والنسب.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .... ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) [3] .
الناس في الدنيا يحرصون على وسائل النقل السريعة للتنقل في أسفارهم، ولو أدى ببعضهم دفع مبالغ باهضة، فترى أحدهم يفضل السفر إلى البلد البعيد بالطائرة رغم ارتفاع تذكرتها عن السفر بالحافلة أو السيارة، ليس إلا رغبة في الوصول بأسرع ما يمكن؛ ولئلا يصيبه عناء السفر، أليس أولى بالمسلم أن يجاهد نفسه في الدنيا بالإكثار من الأعمال الصالحة كي يجتاز هذا الصراط بأسرع ما يمكن؟ فإنه طريق ليس مفروشا بالورود والمناظر الخلابة، وإنما طريق مزلة، كله كلاليب وأهوال وعذاب وتحريق.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمرُّ الناسُ على قدر أعمالهم زُمَرا زُمَرا، أوائلهم كلمح البرق، ثم كمرِّ الريح، ثم كمر الطير، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجلُ سعيا، وحتى يمر الرجل مشيا، حتى يمر آخرهم يتلبَّط على بطنه فيقول: يا رب لِمَ بطَّأت بي؟ فيقول: إني لم أُبطئ بك، إنما بطَّأ بك
(1) سبق تخريجه في الحاشية رقم (22) .
(2) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري (9/ 574) .
(3) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (19/ 65) ، ومسلم واللفظ له (2699) ، والترمذي (1425) ، وأبو داود (4946) .