فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 59

لحظة تأمل على الصراط

قال القرطبي رحمه الله تعالى: فتفكر الآن فيما بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض؛ فضلا عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته، واضطررت إلى أن ترفع القدم الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم، كيف يُنكَّسون فتسفل إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلو أرجلهم، فيا له من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه أهـ [1] .

الأعمال المنجية من لفح النار أو السقوط فيها

توجد أعمال صالحة كثيرة تعين فاعلها على الثبات على الصراط وجوازه سالما دون أن تلفحه النار أو السقوط فيها، كما أن هناك أعمالا صالحة أخرى موجبة لسرعة الجواز على الصراط، وكلا النوعين من هذه الأعمال - الموجبة للثبات على الصراط والموجبة لسرعة الجواز عليه - مكمل للآخر ومما ينبغي الاعتناء بهما أشد العناية.

لن أذكر الأعمال الصالحة التي بُشر صاحبها بدخول الجنة، لعدم دلالتها الكافية على نجاة صاحبها من النار ابتداءا، وإنما سأذكر تلك التي نص فيها الشارع الحكيم بنجاة صاحبها من لفح النار، فهي أقوى دلالة على النجاة من كرب الصراط ومن ثم دخول الجنة.

فقد روى أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى) [2] ، ومعلوم بأن الزنا والسرقة من الكبائر التي توعد أصحابها بالنار، فيحتمل معنى الحديث أن من ارتكب تلك الكبائر وهو مؤمن، سيكون مآله إلى الجنة إما ابتداء من أول الحال لتجاوز الله عنه، وإما بعد أن يقع عليه العذاب والعياذ بالله.

في هذا المبحث سيتم ذكر الأعمال الموجبة للثبات على الصراط والمنجية من لفح النار أو السقوط فيها، أما الأعمال الموجبة لسرعة اجتياز الصراط فسيتم ذكرها لاحقا في المبحث الثالث عند ذكر كرب ظلمة الصراط والأعمال المنورة له.

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لن يلج النار من شهد بدرا وبيعة الرضوان، حيث روى جابر رضي الله عنه أن عبدا لحاطب رضي الله عنه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطبٌ النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرا والحديبية) [3] ، كما روت

(1) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي، تحقيق مجدي السيد، (2/ 43) .

(2) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (19/ 103) ، والبخاري واللفظ له (7487) ، ومسلم (94) ، والترمذي (2644) .

(3) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (22/ 193) ، ومسلم (2495) ، والترمذي (3864) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت