المبحث الأول
التعريف بالصراط وكربه
المسألة الأولى: ما الصراط؟
الصراط جسر ممدود على متن جهنم، أحدُّ من السيف، وأدقّ من الشعرة، مدحضة مزلة، وطريق مظلم محرق، على حافتيه خطاطيف وكلاليب من نار معلقة وحسكة مفلطحة، يجتازه المسلمون وأتباع الرسل، وقيل إن طوله مسيرة خمسة عشر ألف سنة [1] ، فإما أن يعبروه بسلام، أو آلام، أو يقعوا منه إلى النار.
فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( .... ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة من يجوز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) [2] .
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السبف [3] .
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( .... ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم) ، قلنا: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان .... ) [4] ، ومعنى مدحضة مزلة أي: طريق زلق تزلق فيه الأقدام، ومعنى حسكة أي: شوكة صلبة من حديد.
قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: على هذا يرد سؤال: وهو كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟ والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري كيف يعبرون: هل يجتمعون جميعا في هذا الطريق أو واحدا بعد واحد اهـ [5] .
ويمكن تصور طول هذا الصراط إذا علمنا أن كل الأمم - فيما عدا الكفار - سيكونون عليه يوم تبدل الأرض والسموات، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [إبراهيم:48] ، فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: (على الصراط) ، وفي رواية عند الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (هم على جسر جهنم) [6] .
(1) هذا التعريف مستخلص معظمه من عدة أحاديث صحيحة، إلا حديث الطول فمعضل، وستأتي ألفاظ هذه الأحاديث وتخريجاتها.
(2) رواه الحاكم (4/ 586) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3626) .
(3) رواه الإمام مسلم (183) .
(4) رواه البخاري واللفظ له (7440) ، ومسلم (183) .
(5) شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية لمحمد الصالح العثيمين (2/ 160) .
(6) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (18/ 189) ، ومسلم (2791) ، و الترمذي (3121) ، وابن ماجه (4279) ، والدارمي (2809) ، وابن حبان (331) ، والحاكم (2/ 473) .