المسألة الثانية: هول كرب الصراط
يُعدُّ المرور على الصراط من أخطر كرب يوم القيامة إن لم يكن هو أخطرها، ففيه من الأهوال والفزع والخوف والرعب ما لا تتحمله عقول الخلق ولا نفوسهم، ويدل على ذلك أربعة أمور:
الأمر الأول: عنده لا يذكر الإنسان إلا نفسه
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرت النار فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يبكيك؟) قلت: ذكرت النار فبكيت؛ فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وحيث الكتاب حين يقال(هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ) حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه أم شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) [1] .
الأمر الثاني: إشفاق الملائكة من هوله وهم غير محاسبين
فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) [2] .
الأمر الثالث: وقوف النبي صلى الله عليه وسلم عنده للشفاعة
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال: (أنا فاعل) ، قال: قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: (اطلبنى أول ما تطلبني على الصراط) ، قال: قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: (فاطلبنى عند الميزان) ، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: (فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن) [3] .
الأمر الرابع: عنده لا يتكلم يومئذ إلا الرسل
(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (24/ 144) ، وأبو داود واللفظ له (4755) ، والحاكم (4/ 578) ، وحسن إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج أحاديث جامع الأصول لابن الأثير (10/ 475) ، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (2108) .
(2) سبق تخريجه في الحاشية رقم (5) .
(3) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (24/ 132) ، والترمذي (2433) ، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3625) .
* تأمل رحمك الله في إيمان الصحابة رضي الله عنهم باليوم الآخر واعتقادهم بأحقيته وتصورهم بما يجري فيه كأنه رأي عين، وتأمل كيف يعُطى أنس بن مالك رضي الله عنه موعدا يوم القيامة، ويحدد له مكان هذا الموعد، لجزمهم رضي الله عنهم بوقوع هذا اليوم المهيب ولخشيتهم منه، فيا ليتنا نحذو حذوهم.