فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 59

يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا قط .... ) [1] .

تأمل ودقق في عبارة المؤمنين الذين نجوا من الصراط، وهم يصفون ما كان عليه أصدقائهم معهم في الدنيا، ولكنهم الآن سقطوا في النار: (ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون) ، إنها لمصيبة عظمى أن يأتي المسلم بأركان الإسلام، ويعمل الأعمال الصالحة، ولكنه يهوي من الصراط، فما سبب سقوطه في النار إذن؟

فما تلك الذنوب التي أسقطتهم يا ترى؟

يصعب حصر هذه الذنوب لكثرتها، ولعدم ورود أدلة صريحة بسقوط مرتكبيها من الصراط، وإنما بشر صاحبها بالنار، ولعل أعظم هذه الذنوب ما يلي:

[أولا] الوقوع في الشهوات المحرمة

تشمل الشهوات الحسية والشهوات المعنوية، الحسية كشهوة البطن والفرج، والمعنوية كحب الرئاسة والانتقام والظهور.

فعن أبي برزة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى) [2] .

إن الوقوع في الشهوات المحرمة كالزنا واللواط وشرب الخمر والنظر إلى النساء وسماع الغناء والكسب المحرم والتفكه في أعراض الناس وغير ذلك مما يستلذ به؛ مما منع الشرع من تعاطيه، هي من الأسباب التي توقع صاحبها في النار.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: قال القاضي أبو بكر العربي: هذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث الماضي (حُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ) قال: فالشهوات موضوعة على جوانبها؛ فمن اقتحم الشهوة سقط في النار لأنها خَطَاطِيفُهَا اهـ [3] .

فيا ليت الناس يستيقظوا من غفلاتهم وينتبهوا إلى زلاتهم وإلى ما يقعوا فيه من الشهوات المحرمة أثناء سياحتهم ومشاهدتهم للوسائل الإعلامية، ناسين ما سينتظرهم من أهوال وعذاب وكلاليب لا تحابي أحدا، ولا يفوتها من أمرت بأخذه، فالزالون والزالات عن الصراط يومئذ كثير.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى: وذلك أن الإيمان والعمل الصالح في الدنيا هو الصراط المستقيم في الدنيا الذي أمر الله العباد بسلوكه والاستقامة عليه، وأمرهم بسؤال الهداية إليه، فمن استقام سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا ظاهرا وباطنا، استقام مشيه على ذلك الصراط المنصوب على متن جهنم، ومن لم يستقم سيره على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، بل انحرف عنه إما إلى فتنة الشبهات أو إلى فتنة الشهوات، كان اختطاف الكلاليب له على صراط

(1) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (24/ 208) ، والبخاري (7439) ، ومسلم واللفظ له (183) ، والنسائي (5025) ، والحاكم (4/ 582) .

(2) رواه الإمام أحمد -الفتح الرباني- (19/ 280) ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (52) .

(3) فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني (11/ 461 ح 6574) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت