فهرس الكتاب
يقال: إن لله على الكفار نعمة بهذا الاعتبار، قال تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] وقال تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} [البقرة: 126] ذلك أن النعمة من جنس الإحسان بل هي الإحسان، وإحسان الرب تعالى على البر والفاجر والمؤمن والكافر فكل الخلق في نعمه. وأما الإحسان المطلق فاللذين اتقوا والذين هم محسنون [1] .
المبحث الثالث:
أن النعمة قد تكون ابتلاءً من لله تعالى للعباد، وفتنة ليتميز الشاكر من غيره. مما يجعل المؤمن على حذر تام من أن يكون من المقصرين بلهوه وغفلته. فقد يكون الابتلاء بالصحة والثراء والراحة. ولكن مَن الذي يستطيع أن يؤدي حق هذه النعم؟ إنهم قليل، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35] وقال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ} {كَلَّا} [الفجر: 15 - 17] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (يقول الله سبحانه ليس الأمر كذلك. ليس إذا ما ابتلاه فأكرمه ونعمه يكون ذلك إكرامًا مطلقًا. وليس إذا ما قَدَرَ عليه رزقه يكون ذلك إهانة، بل هو ابتلاء في الموضوعين. هو الاختبار والامتحان. فإن شَكَرَ الله على الرخاء وصَبَرَ على الشدة كان كل واحد من الحالين خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم(لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ فصبر كان خيرًا له) [2] . وإن لم يشكر ولم يصبر كان كل واحد من الحالين شرًا له) [3]
ولهذا فإن المصائب التي تصيب الإنسان نعمة، لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها، ما لم يدخل صاحبها بسببها في معاصٍ أعظم مما كان قبلها فيكون شرًا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فمن الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض ونحوهما حصل له من النفاق والجزع وترْكِ
(1) جامع الرسائل والمسائل (1/ 109) مدارج السالكين (1/ 12) التفسير القيم لابن القيم (232) .
(2) أخرجه مسلم (4/ 2295) بلفظ: (عجبًا لأمر لمؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر .... ) .
(3) جامع الرسائل (2/ 342) .