فهرس الكتاب
أسندت النعة في القرآن الكريم إلى الله تعالى إلا في موضع واحد، وهذا الإسناد إسناد حقيقي، فإن الله تعالى هو المنعم المتفضل وحده لا شريك له ولا خروج للعبد عن نعمة ربه وفضله وإحسانه طرفة عين لا في الدنيا ولا في الآخرية، لا في الصغر ولا في الكبر، قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} [النحل: 53]
وقد أسندت النعمة في موضع واحد من كتاب الله تعالى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب:37]
فذكرت الآية نعمتين على زيد بن حارثة - رضي الله عنه: نعمة الإسلام، ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ} ، ونعمة العتق في قوله: {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [1] .
وإسناد النعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس إسنادًا حقيقيًا؛ فإن الله تعالى هو المتفرد بالإنعام. فالمنعم بالعتق من الرق هو الله تعالى، وإنما أضيف إلى غيره لكونه طريقًا وسببًا؛ والسبب لا يستقل بالإيجاد؛ بل جَعْلُهُ سببًا هو من نعم الله تعالى على زيد رضي الله عنه [2] .
المبحث الثاني: النعمة نوعان
1 -نعمة مطلقة: وهي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام و السنة و هي التي أمرنا الله تعالى أن نسأله في صلواتنا أن يهدينا صراط أهلها، قال تعالى {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ، {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] . قال تعالى: {َمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء: 69]. وهذه النعمة مختصة بالمؤمنين. وليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار. فإن الله تعالى خص أهل الصراط المستقيم بها، قال تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ} [الفاتحة: 7] .
2 -نعمة مقيدة أو مطلق النعمة: وهي المشتركة بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، كنعمة الصحة والغني وعافية الجسد وبسط الجاه وكثرة الوالد والزوجة الحسنة وأمثال ذلك، ويصح أن
(1) تفسير ابن كثير (6/ 41) .
(2) مدارج السالكين (1/ 13) .