فهرس الكتاب
بعض الواجبات وفعل المحرمات ما يوجب له الضرر في دينه. أما من صبرَ فإن جزاءه ما قال الله عنه: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} ... [البقرة: 157] [1] .
المبحث الرابع:
إن هذه النعم التي تفضل الله بها على عباده المؤمنين جزاء لهم على أعمالهم الصالحة ليست جزاء توفية، بل إنها بعض نعمته العاجلة عليهم. فإذا أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى. ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تامة غير منقوصة ويزيدهم من فضله. قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [النحل: 41] وقال تعالى {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} النحل [النحل:97] . وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل:122] .
فهذه أربع آيات في سورة واحدة وهي سورة النحل. يتكرر فيها هذا المعنى، وهو جزاء العبد الصالح في الدنيا، وثوابه في الآخرة. وهذا التكرار في هذه السورة له - والله أعلم - سر بديع فإنها سورة النعم التي عدد الله فيها أصول النعم وفروعها. فعرّف عباده أن لهم عنده في الآخرة أضعافَ هذه بما لا يدرك تفاوته وأن هذه بعض نعمه العاجلة عليهم، وعند الله للأتقى مزيد [2] .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، فيُعطى بها في الدنيا، ويُجزى بها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يُجزى بها) وفي رواية: (إن
(1) فتح المجيد ص (365)
(2) انظر إعلام الموقعين (2/ 164) .