ومن يجترئ أن يقول: إنها تشبه أيدي المخلوقين إلا من ابتلي بالزيغ والضلال وعدم تعظيم الرب عز وجل وعدم قدره سبحانه وتعالى حق قدره، كما قال تبارك وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} 1، فقد وصف الله عز وجل يده بهذه العظمة: أنَّ الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه فكيف يقال يد كأيدينا!!
وبهذا يزول تشنيع المبتدعة على أهل السنة بأنهم مشبهة، إذ المشبه من يقيس الله عز وجل بخلقه فيقع صراحة في التشبيه، أو يعطل صفات الله فرارًا من التشبيه. ولهذا قال أئمة السلف ـ رحمهم الله ـ: كل معطل مشبه، وكل مشبه معطل 2.
لأنَّ من يعطل صفة الله إنما عطلها فرارًا من التشبيه الذي قام في نفسه، توهَّمَ أن إثبات هذه اليد لله حقيقة يقتضي التشبيه فأراد أن يفر منه فعطل الصفة، ولما عطَّل الصفة وقع في تشبيه آخر، وهو تشبيه الله عز وجل إما بالجمادات أو المعدومات أو الممتنعات حسب نوع تعطيله. ولهذا فإنَّ كلَّ تعطيل محفوف بتشبيهين: تشبيه قبل التعطيل وآخر بعده.
وكلُّ مشبه معطل، فمن ادعى أنَّ اليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} يد كيد المخلوق فهو معطل، ولم يعطل مرة واحدة، بل وقع في ثلاثة أنواع من التعطيلات:
الأول: تعطيله للرب العظيم عن صفة كماله اللائقة بجلاله، فإنَّه لم يثبت يدًا تليق به، بل عطَّلها بتشبيهه.
1 الآية 67 من سورة الزمر.
2 انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم"1/244"