وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، وإنَّه قد عرض عليكم خطةَ رشد فاقبلوها" [1] ."
وهنا تساؤلٌ لمن يَطرح هذه الشبهة على هيئة التعميم والتهويل؛ كم مرَّةً ورد في السيرة النبويّة اقتتال الصحابة على نخامة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ولماذا لم تحدث تلك الحادثة إلا في ظرفٍ قتاليٍّ خاص يوم الحديبيّة؟ ولماذا لم تتكرر تلك الحادثة قبل ذلك التّاريخ أو بعده؟ ولماذا عدَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النّخامة في المسجد خطيئةً لا يكفرها إلا إزالتها، ولم يستثن من ذلك ما صدر عنه؟ [2]
الأمر العاشر: وأمّا القول بأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - شرّع لأتباعه ما تأنف الطّباع السّليمة منه، ومن ذلك شرب بول الإبل، ففيه من مجانبة الأمانة في النقل ما سبقت الإشارة إليه في المطلب الثالث [3] .
وأصل هذا القول القصة التي رواها البخاري [4] وغيره، أنّ أناسًا من عكلَ وعرينة قدموا المدينة فأسلموا، ثم مرضوا مرضًا شديدًا فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يلحقوا بِرَاع له فيشربوا من ألبان الإبل وأبوالها. فلما فعلوا ذلك وذهب عنهم المرض، وَصَحَّت أجسامهم وسمنوا، قابلوا ذلك بقتل الرّاعي واستياق الإبل والارتداد عن الإسلام.
فطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أثرهم، فأُدركوا في نفس اليوم، وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولم يحسم الدم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرّة يستسقون ولا يسقون حتى ماتوا [5] .
(1) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، ح2731،2732، ص669 - 673.
(2) الحديث في مواضع كثيرة في الصحيحين، منها ما في صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر، ح3008، 2/ 1369.
(3) انظر صفحة 257.
(4) هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري. ولد في بخارى سنة 194هـ ومات في خرْتنْك من قرى سمرقند سنة 256هـ. له: الجامع الصحيح- التاريخ- الضعفاء- خلق أفعال العباد- الأدب المفرد، وغيرها. انظر: الأعلام، الزركلي 6/ 34 - 35.
(5) انظر: فتح الباري، ابن حجر 1/ 337 - 341.