إذا فإنّ روايات سيف في تأريخ الطبري عن تلك الأخبار أوثق عندهم، لأنّها أبعد عن المطاعن والشبهة في كبار الاُمّة من الصحابة والتابعين، وهم الخلفاء والولاة وذووهم، وإليكم دليلا آخر على أنّه من المعيب أن يذكر ما يورد النقد على الكبراء وينبغي البحث عن العذر لهم في ما يوجّه النقد إليهم كيف ما كان; في خبر درء سعد بن أبي وقّاص الحدّ عن أبي محجن والبحث عن العذر لسعد الأمير.
كان أبو محجن الثقفي كما في ترجمته من الاستيعاب واُسد الغابة والإصابة، مدمنا للخمر وحدّه الخليفة عمر سبع مرّات لذلك، وأخيرا نفاه من المدينة، والتحق بسعد بن أبي وقاص في حرب القادسية فقيّده لشربه الخمر وأطلقت زوجة سعد سراحه وكانت له مواقف مشهورة في الحرب، فدرأ سعد الحدّ عنه لموقفه وقال: والله لا نجلدك على الخمر أبدا. قال أبو محجن: وإذن لا أشربها أبدا.
كان هذا خبر درء سعد الحدّ عن أبي محجن، وفي هذا الشأن نقل ابن حجر في ترجمة أبي محجن في كتابه الإصابة عن كتاب ابن فتحون (ت: 519 هـ) : (التذييل على استيعاب أبي عمر بن عبد البرّ) وقال: (وقد عاب ابن فتحون أبا عمر على ما ذكره في قصة أبي محجن، أنّه كان منهمكا في الشراب إلى قوله: وأنكر ابن فتحون على من روى أنّ سعدا أبطل عنه الحدّ وقال: لا يظن هذا بسعد ثم قال ولكن له وجه حسن ولم يذكره وأنه أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو: إن ثبت عليه أنّه يشربها، فوفّقه الله أن تاب توبة نصوحا فلم يعد إليها ... ) (1) .