الصفحة 30 من 789

ففي العقد الفريد -قبل نقله ذاك الخبر قال أبو بكر بن أبي شيبة: كان عبد الله بن عباس من أحب الناس إلى عمر، وكان يقدمه على الاكابر من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله ولم يستعمله قط، فقال له يوما: كدت أستعملك ولكن أخشى أن تستحل الفى على التأويل فلما صار الأمر إلى علي عليه السلام استعمله على البصرة فاستحل الفئ على تأويل قوله تعالى: (واعلموا أن ما غنمتم من شى فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) (22) وا ستحله من قرابته من الرسول صلى الله عليه وآله (23) .

وإنما لم يستعمله عمر لئلا ينتقل الأمر بإمارته وإمارة باقي بني هاشم بعده إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما أنه استعمل المنافقين والطلقاء المعادين له الموتورين معه عليه السلام لأن يصدوا عن ذلك بتصديهم للامور، واستعمل معاوية بالخصوص ليسهل الأمر لبني امية مع كونهم أعداء النبي صلى الله عليه وآله والمحاربين معه والمجاهرين بعداوته إلى آخر أمره صلى الله عليه وآله وقد أقر عمر نفسه بذلك.

روى المسعودي في مروجه -وليس بمتهم عندهم - أن عمر أرسل إلى ابن عباسوقال له: إن عامل حمص هلك وكان من أهل الخير وأهل الخير قليل، وقد رجوت أن تكون منهم، وفي نفسي منك شى لم أره منك وأعياني ذلك، فما رأيك في العمل؟ قال: لن أعمل حتى تخبرني بالذي في نفسك. قال: وما تريد إلى ذلك؟ قال: اريده، فان كان شى أخاف منه على نفسي خشيت منه عليها الذي خشيت، وإن كنت بريئا من مثله علمت أني لست من أهله، فقبلت عملك هنالك، فاني قلما رأيت أوظننت شيئا إلا عاينته. فقال: يا ابن عباس إني خشيت أن يأتي علي الذي هوآت وأنت في عملك، فتقول: هلم إلينا، ولا هلم إليكم دون غيركم (إلى أن قال) قال: فما رأيك؟ قال: أراني لا أعمل لك. قال: ولم؟ قال: إن عملت لك وفي نفسك ما فيها لم أبرح قذى في عينك! قال: فأشر علي، قال: أرى أن تستعمل صحيحا منك صحيحا لك (24) .

والأصل ما عرفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت