فهرس الكتاب
والقول الثالث: أن المرجع في ضابط الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر إلى العرف، فمن أقام إقامة عرفية فقد انقطع سفره وانتهى ترخّصه، ودليل ذلك أنه لم يأت في الكتاب والسنة ما يدل على التحديد، وما ورد من ذلك مختلف لا يصلح لتحديد معين؛ لأنها وقائع عينية غير مقصودة، بل وقعت اتفاقًا، لا تصلح أن يستدل بها على التحديد.
وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية [ (1179) ] ، وهو الذي يفهم من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب [ (1180) ] .
يقول ابن تيمية: (ومن ذلك أنه علق الحكم بمسمى الإقامة كما علقه بمسمى السفر، ولم يفرق بين مقيم ومقيم) ، وقال: (ما أطلقه الشارع يُعمل بمطلق مسماه ووجوده، ولم يجز تقديره بمدة) [ (1181) ] ، وقال: (وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين، ولم يحدَّ السفر بزمان أو مكان، ولا حد الإقامة أيضًا بزمن محدد لا ثلاثة ولا أربعة ولا اثنا عشر ولا خمسة عشر، فإنه يقصر كما كان غير واحد من السلف يفعل...) [ (1182) ] .
ويؤيد ذلك ما يلي:
1 ـ أن الشيخ ذكر أن المرجع إلى العرف في كل شيء لم يرد له حد في الشرع ولا في اللغة، ولا ريب أن الإقامة من هذا النوع إن لم نأخذ بحديث الباب.
2 ـ أنه اعتبر في فتاواه أمورًا عرفية، فقد أفتى ملاّح السفينة إذا كان معه امرأته وجميع مصالحه، وكذا الأعراب الذين يشتّون في مكان ويصيِّفون في مكان، أن هؤلاء لا يترخّصون حال إقامتهم.
وعلى هذا فالقول بإرجاع الإقامة إلى العرف وجيه جدًّا، لما تقدم من أن كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف؛ ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسافرون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا يسألون عن سبب ترخّصه في أوقات مسيره ونزوله، ولم يضع لهم ضابطًا معينًا مما يدل على أنه أمر معروف عندهم عرفًا.