فهرس الكتاب
الثاني: أن الظاهر عند التأمل ترجيح رواية علي بن المبارك وهي الإرسال؛ لأن روايته عن يحيى بن أبي كثير مقدمة على رواية غيره، حاشا رواية هشام الدستوائي والأوزاعي، قال الإمام أحمد في رواية ابنه صالح: (عليُّ بن المبارك ثقة، كانت عنده كتب، بعضها سمعها من يحيى بن أبي كثير، وبعضها عرض) [ (1193) ] ، وقال ابن عدي: (ولعليٍّ أحاديث، وهو ثبت في يحيى مقدم فيه) [ (1194) ] .
الوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها دليل على أن المسافر إذا أقام في مكانٍ ما إقامة غير مقصودة ولا يعلم نهايتها، بل إن حاله وواقعه اقتضى أن يقيم فله أن يقصر ما أقام أبدًا، ولا يتقيد ذلك بمدة معينة.
وهذا مذهب مالك، والشافعي ـ في أحد الأقوال ـ وأحمد وأبي ثور، والقول الثاني للشافعية: أنه يقصر إلى ثمانية عشر يومًا فقط، وهو المشهور عندهم، والقول الثالث: إلى تمام أربعة أيام فقط [ (1195) ] .
والظاهر أن التحديد في مثل هذه الأحوال والأوصاف غير وجيه، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقام في مكة عام الفتح وفي تبوك إقامة طارئة غير مقصودة، وغير معلومة البداية ولا محددة النهاية، وإنما اقتضتها مصالح الجهاد وتأسيس قواعد الإسلام وإزالة آثار الشرك، فهو صلّى الله عليه وسلّم لم ينو مدة معلومة، وعليه فلا يصح في ما ورد في ذلك أن يقال فيه: إنه أقل مدة للقصر أو أقصى مدة للإقامة، بل يقال: كل من أقام مدة غير معلومة فإن إقامته لا تكون قاطعة للسفر.
ويقاس على ذلك كل من قدم إلى بلد لقضاء عمل معين لا يدري متى ينتهي؛ كمن نزل بلدًا لتجارة أو مرافعة أو ملازمة غريم أو زيارة أو نزهة أو مراجعة الجهات الحكومية أو الأهلية، ونحو ذلك مما لا يعتبر المسافر معها قاطعًا لسفره.