الصفحة 830 من 1487

الأول: عدم شرعية الجهر بها، بل تقرأ قبل الفاتحة سرًا، وهذا هو المروي عن الخلفاء الراشدين، وذكره ابن المنذر عن جماعة من الصحابة والتابعين [ (152) ] ، وهو قول أصحاب الرأي وأحمد، وقال ابن قدامة: (لا تختلف الروايات عن أحمد أن الجهر بالبسملة غير مسنون) [ (153) ] ، واختاره ابن تيمية ونصره [ (154) ] .

واستدلوا بحديث أنس المذكور هنا، وقد أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة يصدِّق بعضها بعضًا.

وذلك أن أنسًا رضي الله عنه كان ممن يخدم النبي صلّى الله عليه وسلّم ويلازمه حضرًا وسفرًا، وهو ينفي سماع جهره بالبسملة نفيًا مبنيًا على علم، لا على كونه لا يسمع، مع إمكان الجهر بلا سماع، ولا يمكن مع هذا القرب والصحبة الطويلة ألا يسمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يجهر بها مع كونه يجهر بها، ومما يؤيد ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لو كان يجهر بها دائمًا لكانت الهمم والدواعي متوفرة على نقل ذلك، كجهره بسائر الفاتحة.

ومن أدلة ذلك ما ورد عن ابن عبد الله بن مغفل قال: (سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: (أَيْ بُنَيَّ إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه، قال: وصليت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: الحمد لله رب العالمين [(155) ] ).

القول الثاني: أنه يسن الجهر بها، وبه قال الشافعي ومن وافقه، واستدلوا بحديث نعيم المجمر المذكور هنا، وهو من أقوى أدلتهم [ (156) ] ،

القول الثالث: أنه يخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم [ (157) ] ، وكأن هؤلاء أرادوا العمل بجميع الأدلة، ما يدل على الجهر وما يدل على الإسرار، ذكر ذلك ابن المنذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت