فهرس الكتاب
3_ وإذا تقرر ما سبق ذكره، فإن مما يلحق بهذا المبحث مسألة التكفير بما يؤول ويرجع إليه القول (التكفير بالمآل) ، والمقصود به أن يقول قولًا يؤديه سياقه إلى كفر، وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه، كحال بعض أهل البدع والمتأولين (1) .
يقول ابن رشد الحفيد (2) : _"ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم. (3) "
وقد بين أهل العلم هذه المسألة، ومن ذلك ما ذكره القاضي عياض حيث قال عند ذكره للمعطلة: _
"فأما من أثبت الوصف، ونفى الصفة فقال: أقول: عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم، فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم."
ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم، ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا، قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
(1) انظر الشفا 2/1056
(2) أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي، الفيلسوف، اهتم بالطب والفقه، له تصانيف كثيرة، تولى القضاء، توفي بمراكش سنة 595هـ
انظر: سير أعلام النبلاء 21/307، والديباج المذهب 2/257
(3) بداية المجتهد 2/492 .