فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 1123

ما لك لا تجيب أيها الأبله؟"هذا من جهة ومن جهة"أعطوه قرشا لينطلق لسانه، وآتوا الطبيب أجره وافيا وهو لا يقل عن قرشين...

ثم مال"النابغة"على مجنون المتن وساره بشيء. فقلنا ما أمر المال بسر؛ هذا قرش للمريض وهذان قرشان للطبيب.

فقال المجنون:"مما حفظناه"كفى بالسلامة داء.

قال"الطبيب": هذا مريض بنوع من الجنون اسمه"مما حفظناه"وهو جنون النسيان الذي يضع في مكان العقل كلمة ثابتة لا يتذكر المجنون إلا بها؛ ومن أعراضه جنون الشك فكل ما حول المريض مشكوك فيه، وقد يترامى إلى جنون اللمس، فلو لمسته بإصبعك توهمها عقربا فخاف من الإصبع تلمسه خوفه من العقرب تلدغه،

ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها، فليس هذا من مجانين العبقرية التي انحرفت عن طريقها أو شذت في قوتها؛ ولا هو ممن يتجان ويتحامق التماسا للرزق والعيش كما قال بعضهم: حماقة تعولني خير من عقل أعوله.

فقال المجنون:"مما حفظناه"حماقة تعولني...

فضحك"النابغة"وقال: هو كما بينت لكم مصاب بجنون"مما حفظناه"وهو أقل الجنون وأهونه، وعلاجه البسط والسرور والقرش، والضرب أحيانا... فإذا ثابر عليه الداء تحول إلى جنون"مما ضربناه"... فيعتدي المصاب على كل من يراه أو يوقع به ضربا، وعلاجه حينئذ القميص المرقوم1؛ فإذا فدحت العلة انقلب المرض إلى جنون"مما قتلناه". وعلاجه يومئذ السلاسل والأغلال.

والحق أقول لكم إن آخر ما انتهت إليه فلسفة الطب في القرن العشرين أن الناس جميعا مجانين ولكن بعضهم أوفر قسطا من بعض. كأن سلب العقل هو أيضا حظوظ كحظوظ موهبة العقل. وأهل المريخ من أجل ذلك يسمون الأرض بيمارستان الفلك.

ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها؛ وعندي في الدار عاطوس إذا أشممته هذا المجنون عطس به عطسة قوية فخرج جنونه من أنفه... قل لي أيها المسكين: أتخاف إذا سرت وحدك في ميدان واسع كأن الميدان سيلتف عليك؟ أتضطرب إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت