فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 1123

الروح الإسلامي والسمو به عن المعاني الكلامية الجدلية السخيفة؛ ثم استخراج أسرار القرآن الكريم الكامنة فيه، لهذه العصور العلمية الأخيرة؛ وبعد أن يكون قد اجتمعت فيه القوة التي تمسك الإسلام على سنته بين القديم والجديد، لا ينكره هذا ولا يغيره ذاك، وبعد أن يكون الأزهر قد استفاض على العالم العربي بكتبه ودعاته ومبعوثيه من حاملي علمه ورسل إلهامه.

أما تلك الرسالة الكبرى فهي بث الدعوة الإسلامية في أوربا وأمريكا واليابان، بلغات الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين، في ألسنة أزهرية مرهفة مصقولة، لها بيان الأدب، ودقة العلم، وإحاطة الفلسفة، وإلهام الشعر، وبصيرة الحكمة، وقدرة السياسة؛ ألسنة أزهرية لا يوجد الآن منها لسان واحد في الأزهر، ولكنها لن توجد إلا في الأزهر؛ ولا قيمة لرسالته في القرن العشرين إذا هو لم يوجدها؛ فتكون المتكلمة عنه، والحاملة لرسالته، وما هذه البعثات التي قرر الأزهر ابتعاثها إلى أوربا إلا أول تاريخ تلك الألسنة.

إن الوسيلة التي نشرت الإسلام من قبل لم تكن أجنحة الملائكة، ولا كانت قوة من جهنم؛ ولا تزال هي تنشره؛ فليس مستحيلًا ولا متعذرًا أن يغزو هذا الدين أوربا وأمريكا واليابان كما غزا العالم القديم، ولم يكن السلاح من قبل إلا طريقة لإيجاد إسلام في الأمة الغريبة عنه، حتى إذا وجد تولي هو الدعوة لنفسه بقوة الناموس الطبيعي القائم على أن الأصلح هو الأبقى، وانحازت إليه الإنسانية؛ لأنه قانون طبيعتها السليمة، ودين فطرتها القوية، وقد ظل الإسلام ينتشر ولم يكن يحمله إلا التاجر، كما كان ينتشر وحامله الجيش؛ فليس علينا إلا تغيير السلاح في هذا العصر وجعله سلاحًا من فلسفة الدين وأسرار حكمته؛ فهذا الدين كما قلنا في بعض كلامنا1: أعمال مفصلة على النفس أدق تفصيل وأوفاه بمصلحتها، فهو يعطي الحياة في كل عصر عقلها العملي الثابت المستقر تنظم به أحوال النفس على ميزة وبصيرة، ويدع للحياة عقلها العلمي المتجدد المتغير تنظم به أحوال الطبيعة على قصد وهدى؛ وهذه هي حقيقة الإسلام في أخص معانيه: لا يغني عنه في ذلك دين آخر، ولا يؤدي تأديته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت