فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 1123

-"دي هي طارت من الدكان، حسبتها عصفورة ومسكتها..."

النيابة:"وليه ما طارتش العلب اللي معاها في الدكان؟"

-"أنا عارف؟ يمكن خافت مني!".

النيابة للمحكمة:"جراءة مخيفة يا حضرات القضاة، المتهم وهو في هذه السن، يشعر في ذات نفسه أن الأشياء تخافه!".

فصاح الغلام مسرورًا من هذا الثناء:"والله يا أفندي إنت راجل طيب! أديك عرفتني، ربنا يكفيك شر العمدة والغفير!"

وأمضي الحكم في الاستئناف، وخرج الصغير مع رجال مع المجرمين يسوقهم الجند، ثم احتبسوا الجميع فترة من الوقت عند كاتب المحكمة؛ ليستوفي أعماله الكتابية، ثم يساقون من بعد إلى السجن.

وجلس"عبد الرحمن"على الأرض، وقد اكتنفه عن جانبيه طائفة من المجرمين يتحادثون ويتغامزون، وكلهم رجال ولكنه وحده الصغير بينهم؛ فاطمأن شيئًا قليلًا، إذ قدر في نفسه أنه لو كان هؤلاء قد أريد بهم شر لما سكنوا هذا السكون، وأن الذي يراد بهم لا يناله هو إلا أصغر منه، كصفعة أو صفعتين مثلًا.. وهو يسمع أن الرجال يقتلون ويحرقون ويسمون ويعتدون وينهبون؛ وما تكون"علبة الكبريت"في جنب ذلك؟ وخاصة بعد أن استردها صاحبها، وقد نال هو ما كفاه قبل الحكم!

وما لبث بعد هذا الخاطر الجميل أن رد الاطمئنان في عينه دموعًا كاد يريقها الجزع، غير أن القلق اعتاده، فالتفت إلى كتاب المحكمة مرة وإلى الجند مرة، ثم لوى وجهه ولم يستبح لنفسه أن يتجرأ على الفكر فيهم؛ لأنه قابل مهابتهم بآلهة بلده: العمدة والمشايخ والحفراء؛ فأدرك أن الجنود هم الحكومة القادرة، واستدل على ذلك بأزرارهم اللامعة، وخناجرهم الصقيلة: وتمشت في قلبه رهبة هذه الخناجر، فاضطرب خشية أن يكونوا قد أسلموه من يذبحه، فنظر إلى الذي يليه من المجرمين وسأله:"راح ياخدوني فين؟"، فأجابته لكمة خفية انطلق لها دمعه، حتى أسكته الذي يليه من الجانب الآخر، وكان في رأيه من الصالحين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت