فهرس الكتاب

الصفحة 799 من 1123

ثم اتصل الجزع بين قلبه وعينيه، فهما تضطربان إلى الجهات الأربع، وكأنما يحاول أن يستشف من أيها سيأتيه الموت ذبحًا؛ ولم يكن فهم معنى"الإصلاحية"، وحكم القضاة عليه كأنه رجل يفهم كل شيء، ولم يرحموا هذه الطفولة بكلمة مفسرة، وعدل التربية غير عدل القانون، فكان الواجب على القاضي الذي يحكم على الطفل، أن يجعل حكمه أشبه بصيغة القصة منه بصيغة الحكم، وأن يدع الجريمة تنطلق وتذهب فلا يقول لها امكثي..

وبقي الخناجر رهبتها في نفس هذا المسكين، فلو أنهم قادوه إلى حبل الشناقة لأفهمه"الحبل"معنى العقوبة، أما وهو بين هذه الخناجر المغمدة -وفي الخناجر معنى الذبح- فإنما هو الذبح لا غيره.

وطرقت أذنيه قهقهة المجرم عن يمينه فاستنقذته من هذا الخطر، فثبت عينيه في الرجل، فإذا هو يرى وجهًا متلألئًا، وجسمًا رابط الجأش، وهزؤًا وسخرية بهؤلاء الجنود وخناجرهم.

واستراح الغلام إلى صاحبه هذا، وألح بنظره عليه، وابتدأ يتعلم من وجهه الفلسفة؛ وليست الفلسفة مقصورة عى الكتب، بل إن لكل إنسان حالة تشغله، فنظره في اعتبار دقائقها وكشف مستورها هو الفلسفة بعينها.

وقال الغلام لنفسه:"هذا الرجل أقوى من كل قوة؛ فهو محكوم عليه ولا يبالي، بل يقهقه ضحكًا؛ فهذا الحكم إذن لا يخيف؛ لا، بل هو تعود الأحكام؛ إذن فمن تعود الأحكام لم يخف الأحكام؛ إذن يا عبد الرحمن ستتعود، فإن الخوف هذه المرة قد غطك من"علبة الكبريت"في حريق متسعر، وما قدر"علبة الكبريت"؟ فلو كانت السرقة جاموسة ما لقيت أكثر من ذلك؛ يا ليتني إذن... ولكني لا أزال صغيرًا، فمتى كبرت... آه متى كبرت..".

وبدأ القانون عمله في الغلام؛ فطرد منه الطفل وأقر فيه المجرم.

وأطرق"عبد الرحمن"هادئًا ساكنًا. وقامت في نفسه محكمة من الأبالسة بقضاتها ونيابتها؛ يجادل بعضهم بعضًا، ويداولون بينهم أمر هذا الغلام على وجه آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت