فقال يا رسول الله: ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله!! انعتهم لنا، حلِّهم لنا - يعني صفهم لنا - فسر وجه النبي بسؤال الأعرابي وقال: هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيجلسون عليها، فيجعل وجوههم نورًا، وثيابهم نورًا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الإيمان بالله، والحب فيه، والأخوة في دينه، والتناصر باسمه، ذلك كله كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في ظلامها، يتدافع ليعلن أن أنصار الله سوف يحمون رسوله كما يحمون أعراضهم، وسوف يمنعونه بأرواحهم كما يمنعون أنفسهم فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء، ولا يتسرب إليه مكروه وهم من حوله أمناء، ولا يصل إليه شر وهم له الفداء.
نور المحنة يلد حبا غير مسبوق:
دعاة من الصحابة أرسلهم النبي صلي الله عليه وسلم ليعلموا قبائل عضل والقارة (الهذليون) العلم والقران فغدروا بهم في الرجيع، فقتل من قتل، واسر منهم من اسر، جاء في فقه السيرة للغزالي رحمه الله:"خبيب بن عدي"و"زيد بن الدثنة"و"عبد الله بن طارق"فاسترقهم الهذليون، وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها. ومعنى بيعهم بمكة تسليمهم للقتلة المتربصين. فإن أولئك النفر من الرجال الذين قاتلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في"بدر"و"أحد"، يودون الاشتفاء منها، وقد حاول عبدا لله الإفلات من هذا المصير فقتل. وأما"خبيب"و"زيد"فأخذهما رجال قريش ليقتلوهما، أخذًا بثأرهم القديم.
فأما"زيد"فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، ولما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش - فيهم أبو سفيان بن حرب - فقال له أبو سفيان - حين قُدِّم ليقتل: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان:"ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا"