قيل بأن البقر سيد الحيوانات الإنسية [1] ، وقد يشعر الإنسان وبخاصة في المجتمعات الزراعية الفقيرة أن حياته مرتبطة بحياة البقرة، ووجوده رهن بوجودها، وقد يتضاعف عنده هذا الإحساس فيشعر وكأنها هي سبب هذا الوجود وتلك الحياة، فيعبدها من دون الله تعالى، ويخاف عليها خوفه على نفسه وولده أو أشد، إلى الحد الذي مر فيه زمان على بعض مناطق فلسطين، مثلًا، إذا ماتت لأحد الأشخاص بقرة، لبس السواد حدادًا عليها، وعزاه الناس بمصيبته [2] .
-ينبغي للإنسان أن يسلك الأسباب التي تؤدي إلى قبول الأمر، أو الخبر، لقوله: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [3] .
- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا قَتِيلًا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قِيلَ: اسْمُهُ عَامِيلُ- وَاشْتَبَهَ أَمْرُ قَاتِلِهِ عَلَيْهِمْ، وَوَقَعَ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ، فَقَالُوا: نَقْتَتِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَتَوْهُ وَسَأَلُوهُ، فَسَأَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَبَّهُ فَأَمَرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ مُوسَى، قَالُوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُؤًا؟ وَالْهُزْءُ: اللَّعِبُ وَالسُّخْرِيَةُ، أَيْ قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ [4] .
-كان الأمر بذبح بقرة دون غيرها من الحيوان، لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل، ليهون عندهم أمر تعظيمه [5] .
-قال موسى في تبيين القاتل: اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره، وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض، فقالوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [6] .
-استهتار بني إسرائيل، حين قالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} وقد أخبرهم أن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة، فلم يحملوا هذا محمل الجدّ مع أن الواجب أن يحملوا هذا محمل الجدّ، لأنه أمر من الله عزّ وجلّ [7] .
- {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل، استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة لعباده [8] .
(1) البحر المحيط في التفسير 1/ 404.
(2) التناسب في سورة البقرة 4/ 27.
(3) تفسير ابن عثيمين 1/ 241.
(4) تفسير القرطبي 1/ 446.
(5) التفسير المنير 1/ 191.
(6) تفسير السعدي 1/ 54.
(7) تفسير ابن عثيمين 1/ 241.
(8) تفسير السعدي 1/ 54.