- {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} الْقَسْوَةُ: الصَّلَابَةُ وَالشِّدَّةُ وَالْيُبْسُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ خُلُوِّهَا مِنَ الْإِنَابَةِ وَالْإِذْعَانِ لِآيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ وغيرهما: الْمُرَادُ قُلُوبُ جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ [1] .
-إن الحجارة أقسى شيء يضرب به المثل [2] .
- {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} التفجّر يدلّ على الخروج بوصف الكثرة، بينما في قوله تعالى {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ} يدلّ على الخروج نفسه.
- {يَشَّقَّقُ} أَصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الشِّينِ، وَهَذِهِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعُيُونِ الَّتِي لَمْ تَعْظُمْ حَتَّى تَكُونَ أَنْهَارًا، أَوْ عَنِ الْحِجَارَةِ الَّتِي تَتَشَقَّقُ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ مَاءٌ مُنْفَسِحٌ [3] .
-تشبيه المعقول بالمحسوس في قوله تعالى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} ، لأن الحجارة أمر محسوس، والقلب قسوته أمر معقول، إذ إنه ليس المعنى أن القلب الذي هو المضغة يقسو، القلب هو هو، لكن المراد: أنه يقسو قسوة معنوية بإعراضه عن الحق، واستكباره عليه، فهو أمر معنوي شبه بالأمر الحسي، وهذا من بلاغة القرآن تشبيه المعقول بالمحسوس حتى يتبين [4] .
-لم يخلق اللّه تعالى شيئا في هذا الوجود عبثا، وإنما لفائدة، ففي الآية دلالة على بعض فوائد الأحجار ونحوها من الجمادات، وأنها تنصاع لأمر اللّه، فإن تمردت فئة من المخلوقات عن الصبغة الإلهية، وأصبحت عديمة النفع، لعدم تأثرها بالعظات وعدم قبولها الحق، فاللّه يجازيها جزاء وفاقا، في الدنيا والآخرة، فيسلط عليها في الدنيا بعض النقم، إن لم تحركها النّعم، ويعذبها في نار جهنم في الآخرة، لإبائها الحق ولعدم طاعتها أوامر اللّه تعالى [5] .
-إن الحجارة خير من قلوب هؤلاء بأن فيها خيرًا، فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، ومنها ما يشقق، فيخرج منه الماء، ومنها ما يهبط من خشية الله، وهذه كلها خير، وليس في قلوب اليهود خير [6] .
- {وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} يَقُولُ إِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْ قُلُوبِكُمْ، لِخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْهَا وَتَرَدِّيهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَا تَرَدَّى حَجَرٌ مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ، وَلَا تَفَجَّرَ نَهْرٌ مِنْ حَجَرٍ، وَلَا خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ إِلَّا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، نَزَلَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ [7] .
(1) تفسير القرطبي 1/ 463.
(2) تفسير ابن عثيمين 1/ 248.
(3) تفسير القرطبي 1/ 464.
(4) تفسير ابن عثيمين 1/ 247.
(5) التفسير المنير 1/ 194.
(6) تفسير ابن عثيمين 1/ 248.
(7) تفسير القرطبي 1/ 465.