-إذا عفا أولياء المقتول، أو عفا بعضهم، احتقن دم القاتل، وصار معصوما منهم ومن غيرهم، ولهذا قال: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أي: بعد العفو {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: في الآخرة [1] .
-إن المعتدي بعد انتهاء القصاص، أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم سواء كان من أولياء المقتول، أو من القاتل، لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [2] .
-بلاغة القرآن الكريم، إذ كان حكماء العرب في الجاهلية يقولون: القتل أنفى للقتل، فقال القرآن: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . فلم يذكر لفظ القتل بالمرة فنفاه لفظًا وواقعًا [3] .
- {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر"الحياة"لإفادة التعظيم والتكثير [4] .
-الحكمة العظمى في القصاص، وهي الحياة الكاملة، لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [5] .
-نقل المولى - جل وعلا - بهذا التشريع الحكيم العقوبات، من معنى انتقامي إلى معنى سام جليل، فقد كانت العقوبات السالفة، انتقامًا ينتقم بها المجتمع من المجرمين، أو ينتقم بها أهل القتيل من أهل المقتول، فلا يقبلون حتى يسفكوا مقابل الدم الواحد الدماء البريئة ويزهقوا الأرواح. وربما قتلوا بالرجل مائة رجل، فجعل الله الغرض منها الاستصلاح {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [6] .
(1) تفسير السعدي 1/ 84.
(2) تفسير ابن عثيمين 2/ 303.
(3) ايسر التفاسير 1/ 157.
(4) تفسير السعدي 1/ 84.
(5) فإن قيل: كيف يكون لنا في القصاص حياة مع أننا قتلنا القاتل، فزدنا إزهاق نفس أخرى؟ فالجواب: نعم، يكون لنا في القصاص حياة بأن القتلة إذا علموا أنه سيقتص منهم امتنعوا عن القتل، فكان في ذلك تقليل للقتل، وحياة للأمة، ولهذا جاءت منكرة للدلالة على عظم هذه الحياة، فالتنكير هنا للتعظيم ــــ يعني حياة عظيمة شاملة للمجتمع كله، أما بالنسبة للقاتل فيقتل، لكن قتل القاتل حياة للجميع. تفسير ابن عثيمين 2/ 304.
(6) تفسير آيات الأحكام 1/ 186.