- {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أَيْ مَنْزِلَةٌ. وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّيُّ، يُقَالُ: دَرَجُوا، أَيْ طَوَوْا عُمْرَهُمْ، وَمِنْهَا الدَّرَجَةُ الَّتِي يُرْتَقَى عَلَيْهَا، فَزِيَادَةُ دَرَجَةِ الرَّجُلِ بِعَقْلِهِ وَقُوَّتِهِ عَلَى الْإِنْفَاقِ وَبِالدِّيَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالْجِهَادِ. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" [1] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الدَّرَجَةُ إِشَارَةٌ إِلَى حَضِّ الرِّجَالِ عَلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَالتَّوَسُّعِ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَالِ وَالْخُلُقِ، أَيْ أَنَّ الْأَفْضَلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ [2] .
- {وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) أَيْ مَنِيعُ السُّلْطَانِ لَا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ. (حَكِيمٌ) أَيْ عَالِمٌ مُصِيبٌ فيما يفعل.
- {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ رَافِعَةٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ أَحَقُّ بِرَجْعَةِ امْرَأَتِهِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الزَّوْجَاتِ قَصَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ، وَأَبَاحَ الرَّجْعَةَ فِي الْمَرَّةِ وَالثِّنْتَيْنِ، وَأَبَانَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِي الثَّالِثَةِ [3]
- {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ، إن من حكمة التشريع أن يكون الطلاق مفرقًا، وأن لا يقع دفعة واحدة. إن هاتين المرتين لا تقعان مرة واحدة، بل تكون التطليقة الأولى أولا، وهي طلقة رجعية يجوز للزوج أن يراجع زوجته في اثناء العدة، التي هي ثلاثة قروء، فإن راجعها ولكنهما لم يستطيعا المسيرة الهنيئة الهادئة، وطلقها مرة ثانية، فإنه يمكن له أن يراجعها بعد هذه التطليقة كذلك في أثناء العدة، فهي طلقة رجعية كذلك.
- {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَيَانًا لِعَدَدِ الطَّلَاقِ الَّذِي لِلْمَرْءِ فِيهِ أَنْ يَرْتَجِعَ دُونَ تَجْدِيدِ مَهْرٍ وَوَلِيٍّ، وَنَسَخَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ [4] .
-الطلاق الرجعي الذي يملك فيه الزوج الرجعة مرتان فقط وفي الثالثة تحرم عليه حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا شرعيًا صحيحًا بقصد الدوام والاستمرار [5] .
- {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} ، أي أن يراجعها على نية الإبقاء على العلاقة الزوجية والمعاملة الحسنة.
(1) حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ: أخرجه الحاكم في مستدركه: حديث رقم (7325) .
(2) تفسير القرطبي 3/ 125.
(3) تفسير ابن كثير 1/ 610.
(4) تفسير القرطبي 3/ 126.
(5) تفسير آيات الأحكام 1/ 343.