فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 504

- {أَوْ تَسْرِيحٌ} التَّسْرِيحُ يَحْتَمِلُ لَفْظُهُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا- تَرْكُهَا حَتَّى تَتِمَّ الْعِدَّةُ مِنَ الطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَكُونُ أَمْلَكَ لِنَفْسِهَا، وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ. وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَالِثَةً فَيُسَرِّحُهَا، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمَا، وَهُوَ أَصَحُّ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:"أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ"هِيَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ، وَإِيَّاهَا عَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى:"فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ" [1] .

- {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ، أن يتركها حتى تنتهي عدتها وتبين، فيطلق سراحها دون ظلم أو إساءة إليها.

- {بِإِحْسَانٍ} أَيْ لَا يَظْلِمُهَا شَيْئًا مِنْ حَقِّهَا، وَلَا يَتَعَدَّى فِي قَوْلٍ.

-بيان حكمة الله في تشريعه سبحانه وتعالى، إذ قال تعالى في الإمساك: {بِمَعْرُوفٍ} ، لأنه إذا ردها جبر قلبها بالرد، وقال تعالى في التسريح: {بِإِحْسَانٍ} ، لأنه سيفارقها، فيحتاج إلى زيادة في معاملتها بالتي هي أحسن حتى ينضم إلى الفراق الإحسانُ - والله أعلم - [2] .

- {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} ، لا يجوز لكم أيها الازواج أن تأخذوا من زوجاتكم في مقابل الطلاق شيئًا مما اعطيتموهن، سواء أكان مهرهن أم بعض العطيات والهدايا التي جلبتموها لهن.

- {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} وَالْآيَةُ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ، نُهُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ أَزْوَاجِهِمْ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْمُضَارَّةِ، وَهَذَا هُوَ الْخُلْعُ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَلَّا يَنْفَرِدَ الرَّجُلُ بِالضَّرَرِ، وَخَصَّ بِالذِّكْرِ ما آتى الْأَزْوَاجُ نِسَاءَهُمْ، لِأَنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَطْلُبَ الرَّجُلُ عِنْدَ الشِّقَاقِ وَالْفَسَادِ مَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ لَهَا صَدَاقًا وَجَهَازً [3] .

-جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض، لقوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ،أن ذلك إنما يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله، أما مع استقامة الحال فلا يجوز طلب الخلع، وفي الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» [4] .

- {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ وَقَوْمٌ مَعَهُ: إِذَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا، وَلَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَا أَبِرُّ لَكَ قَسَمًا، حَلَّ الْخُلْعُ. رَوَى الْبُخَارِيُّ [5] مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ

(1) تفسير القرطبي 3/ 127.

(2) تفسير ابن عثيمين 3/ 111.

(3) تفسير القرطبي 3/ 137.

(4) حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح: أخرجه أحمد في مسنده: 37/ 62، حديث رقم 22379.

(5) أخرجه البخاري في صحيحه: حديث رقم (5273) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت