- {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} لَمَّا ذَكَرَ عَزَّ وَجَلَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ وَاتَّصَلَ بِذِكْرِهَا ذِكْرُ الْإِرْضَاعِ، ذَكَرَ عِدَّةَ الْوَفَاةِ أَيْضًا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مِثْلُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ [1] .
-وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها سواء دخل بها، أم لم يدخل، لقوله تعالى: {أَزْوَاجًا} .
-الطلاق قبل الدخول، والخلوة لا عدة فيه، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [2] .
-وجوب انتظار المرأة بنفسها مدة العدة بحيث لا تتزوج، ولا تتعرض للزواج، لقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} .
- {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ} أَيْ يَتْرُكُونَ أَزْوَاجًا، أَيْ وَلَهُمْ زَوْجَاتٌ فَالزَّوْجَاتُ (يَتَرَبَّصْنَ) ، قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاجُ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ [3] .
- {يَتَرَبَّصْنَ} وظاهر قَوْلِهِ: يَتَرَبَّصْنَ، الْعُمُومُ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ تُوَفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَمَةُ والكتابية والصغيرة [4] .
- {يَتَرَبَّصْنَ} التَّرَبُّصُ: التَّأَنِّي وَالتَّصَبُّرُ عَنِ النِّكَاحِ، وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَنْ مَسْكَنِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ بِأَلَّا تُفَارِقَهُ لَيْلًا. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعَالَى السُّكْنَى لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا فِي كِتَابِهِ كَمَا ذَكَرَهَا لِلْمُطَلَّقَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:" {أَسْكِنُوهُنَّ} وَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْعِدَّةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِحْدَادِ، وَإِنَّمَا قَالَ:"يَتَرَبَّصْنَ"فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ جَمِيعَ ذَلِكَ. وَالْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَظَاهِرَةٌ بِأَنَّ التَّرَبُّصَ فِي الْوَفَاةِ إِنَّمَا هُوَ بِإِحْدَادٍ، وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنِ الزِّينَةِ وَلُبْسِ الْمَصْبُوغِ الْجَمِيلِ وَالطِّيبِ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ [5] ."
- {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} تَرْكُ التَّزَوُّجِ وَلُزُومُ الْبَيْتِ وَالْإِحْدَادُ، وَهُوَ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الزِّينَةِ، وَمِنْ لُبْسِ الْمَصْبُوغِ الْجَمِيلِ مِثْلَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْخُضْرَةِ، وَالطِّيبِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ نَصٌّ عَلَى الْإِحْدَادِ [6] .
- {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} هَذِهِ الْآيَةُ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ وَمَعْنَاهَا الْخُصُوصُ". وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:" {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ} لِأَنَّ النَّاسَ أَقَامُوا بُرْهَةً مِنَ الْإِسْلَامِ إِذَا تُوُفِّيَ
(1) تفسير القرطبي 3/ 173.
(2) سورة الاحزاب: الآية 49.
(3) تفسير القرطبي 3/ 174.
(4) البحر المحيط في التفسير 2/ 515.
(5) تفسير القرطبي 3/ 176.
(6) البحر المحيط في التفسير 2/ 516.