- {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} نَفَى اللَّهُ الْحَرَجَ فِي التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ، وَهُوَ: إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وَإِنَّكِ لَصَالِحَةٌ، وَإِنَّ مِنْ عَزْمِي أَنْ أَتَزَوَّجَ وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَوْ: أُرِيدُ النِّكَاحَ، وَأُحِبُّ امْرَأَةً كَذَا وَكَذَا يَعُدُّ أَوْصَافَهَا [1] .
- {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ} الْمُخَاطَبَةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِحُكْمِهَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي نَفْسِهِ تزوج معتدة لَا وِزْرَ عَلَيْكُمْ فِي التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ. وَالتَّعْرِيضُ: ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَهُوَ إِفْهَامُ الْمَعْنَى بِالشَّيْءِ الْمُحْتَمَلِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَهُوَ مِنْ عُرْضِ الشَّيْءِ وَهُوَ جَانِبُهُ، كَأَنَّهُ يَحُومُ بِهِ عَلَى الشَّيْءِ وَلَا يُظْهِرُهُ. وَقِيلَ، هُوَ مِنْ قَوْلِكَ عَرَّضْتُ الرَّجُلَ، أَيْ أَهْدَيْتُ إِلَيْهِ تُحْفَةً [2] .
-جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها بلفظ غير صريح كأن يقول للمرأة: وددت لو أن الله وفقني للزواج من مثلك، أو يقول لها: إني راغب بالزواج، أو أن يقول لوليها: لا تجعل أحدًا يسبقني بها، لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} .
- {مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} الْخِطْبَةُ (بِكَسْرِ الْخَاءِ) : فِعْلُ الْخَاطِبِ مِنْ كَلَامٍ وَقَصْدٍ وَاسْتِلْطَافٍ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ. يُقَالُ: خَطَبَهَا يَخْطُبُهَا خَطْبًا وَخِطْبَةً. وَرَجُلٌ خَطَّابٌ كَثِيرُ التَّصَرُّفِ فِي الْخِطْبَةِ. وَالْخَطِيبُ: الْخَاطِبُ. وَالْخُطْبَةُ (بِضَمِّ الْخَاءِ) هِيَ الْكَلَامُ الَّذِي يُقَالُ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ.
-جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها، لقوله تعالى: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [3] .
- {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} مَعْنَاهُ سَتَرْتُمْ وَأَضْمَرْتُمْ مِنَ التَّزَوُّجِ بِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا. وَالْإِكْنَانُ: السَّتْرُ وَالْإِخْفَاءُ، يُقَالُ: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ بِمَعْنًى واحد. فَرَفَعَ اللَّهُ الْجُنَاحَ عَمَّنْ أَرَادَ تَزَوُّجَ الْمُعْتَدَّةِ مَعَ التَّعْرِيضِ وَمَعَ الْإِكْنَانِ، وَنَهَى عَنِ الْمُوَاعَدَةِ الَّتِي هِيَ تَصْرِيحٌ بِالتَّزْوِيجِ وَبِنَاءٌ عَلَيْهِ وَاتِّفَاقٌ عَلَى وَعْدٍ. وَرَخَّصَ لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِغَلَبَةِ النُّفُوسِ وَطَمَحِهَا وَضَعْفِ الْبَشَرِ عَنْ مِلْكِهَا [4] .
- {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} الْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلَى أَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَأَبَاحَ اللَّهُ التَّعْرِيضَ، وَحَرَّمَ التَّصْرِيحَ فِي الْحَالِ، وَأَبَاحَ عَقْدَ الْقَلْبِ عَلَى التَّصْرِيحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ [5] .
- {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أَيْ إِمَّا سِرًّا وَإِمَّا إِعْلَانًا فِي نُفُوسِكُمْ وَبِأَلْسِنَتِكُمْ، فَرَخَّصَ فِي التَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ [6] .
(1) البحر المحيط في التفسير 2/ 520
(2) تفسير القرطبي 3/ 188.
(3) تفسير ابن عثيمين 3/ 163.
(4) تفسير القرطبي 3/ 190.
(5) البحر المحيط في التفسير 2/ 521.
(6) تفسير القرطبي 3/ 190.