- {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وَظَاهِرُ الْآيَةِ: أَنَّ إِخْفَاءَ الصَّدَقَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَفْضَلُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فرضا أو نفلا، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِبُعْدِ الْمُتَصَدِّقِ فِيهَا عَنِ الرِّيَاءِ وَالْمَنِّ وَالْأَذَى، وَلَوْ لَمْ يُعْلِمِ الْفَقِيرَ بِنَفْسِهِ، وَأَخْفَى عَنْهُ الصَّدَقَةَ أَنْ يَعْرِفَ، كَانَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ [1] .
-تكون الصدقة غير معتبرة حتى تصل إلى الفقير، لقوله تعالى: {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} .
-تفاضل الأعمال - أي أن بعض الأعمال أفضل من بعض، لقوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [2] .
-وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ إِخْفَاءُ الزَّكَاةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ، فَأَمَّا الْيَوْمُ فَالنَّاسُ مُسِيئُونَ الظَّنَّ فَإِظْهَارُهَا أَفْضَلُ [3] .
-تفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، لأن الإنسان يشرف، ويفضل بعمله، وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان، لأن الإيمان قول، وعمل، فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان - أعني زيادة الإيمان، ونقصانه - وهو مذهب أهل السنة، والجماعة [4] .
-قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَالٍ: تَعْجِيلِهِ، وَتَصْغِيرِهِ فِي نَفْسِكَ، وَسَتْرِهِ. فَإِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّيْتَهُ، وَإِذَا صَغَرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ [5] .
-الصدقة سبب لتكفير السيئات، لقوله تعالى: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} [6] .
(1) البحر المحيط في التفسير 2/ 691.
(2) تفاضل الأعمال يكون بأسباب:
أ - منها التفاضل في الجنس، كالصلاة - مثلًا - أفضل من الزكاة، وما دونها.
ب - ومنها التفاضل في النوع، فالواجب من الجنس أفضل من التطوع، لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه» .
ج - ومنها التفاضل باعتبار العامل لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» .
د - ومنها التفاضل باعتبار الزمان، كقوله صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من ذي الحجة: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» ، وكقوله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] .
ه - ومنها التفاضل بحسب المكان، كفضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره.
ومنها التفاضل بحسب جودة العمل وإتقانه، كقوله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» .
ز - ومنها التفاضل بحسب الكيفية، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... » ، وذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»
(3) البحر المحيط في التفسير 2/ 689.
(4) تفسير ابن عثيمين 3/ 359.
(5) البحر المحيط في التفسير 2/ 691.
(6) ويؤيد هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل» .