- {وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ"} عائد عَلَى الصَّلَاةِ وَحْدَهَا خَاصَّةً لِأَنَّهَا تَكْبُرُ عَلَى النُّفُوسِ مَا لَا يَكْبُرُ الصَّوْمُ وَالصَّبْرُ هُنَا: الصَّوْمُ فَالصَّلَاةُ فِيهَا سِجْنُ النُّفُوسِ. فَالصَّائِمُ إِنَّمَا مَنَعَ شَهْوَةَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ثُمَّ يَنْبَسِطُ فِي سَائِرِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ وَالنَّظَرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُلَاقَاةِ الْخَلْقِ فَيَتَسَلَّى بِتِلْكَ الْأَشْيَاءِ عَمَّا مُنِعَ. وَالْمُصَلِّي يَمْتَنِعُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَجَوَارِحُهُ كُلُّهَا مُقَيَّدَةٌ بِالصَّلَاةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَتِ الصَّلَاةُ أَصْعَبَ عَلَى النَّفْسِ وَمُكَابَدَتُهَا أَشَدَّ [1] ."
- {إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ} مِنْ خُشُوعِ الْمُصَلِّي: أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي صَلَاتِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، قَالُوا: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ [2] .
- {إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ} فَإِنَّهَا خَفِيفَةٌ عَلَيْهِمْ. والْخَاشِعُونَ جَمْعُ خَاشِعٍ وَهُوَ الْمُتَوَاضِعُ. وَالْخُشُوعُ: هَيْئَةٌ فِي النَّفْسِ يَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْجَوَارِحِ سُكُونٌ وَتَوَاضُعٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْخَاشِعُ الَّذِي يُرَى أَثَرُ الذُّلِّ وَالْخُشُوعِ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ، وَأَنْ تُلِينَ كَفَّيْكَ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ وَأَلَّا تَلْتَفِتَ فِي صَلَاتِكَ. وَمَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ خُشُوعًا فَوْقَ مَا فِي قلبه فإنما أظهر نفاقا علو نِفَاقٍ [3] .
-تحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد، فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع، لأن الخشوع خشوع القلب، والأخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته [4] .
-ورد الظن في القرآن الكريم بمعنى اليقين [5] .
- {مُلاقُوا رَبِّهِمْ} أَيْ إِلَى رَبِّهِمْ وَقِيلَ إِلَى جَزَائِهِ. {راجِعُونَ} إِقْرَارٌ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ والعرض على الملك الأعلى [6] .
-إثبات ملاقاة الله عزّ وجلّ، لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا اللقاء [7] .
- {مُلاقُوا رَبِّهِمْ} أي ملاقو ثواب ربّهم، ما وعدهم على الصبر والصلاة، وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ} أي موقنون بالبعث، فصار المعنى أنّهم موقنون بالبعث، وبحصول الثواب الموعود [8] .
(1) تفسير القرطبي 1/ 373
(2) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 5/ 305.
(3) تفسير القرطبي 1/ 375.
(4) تفسير ابن عثيمين 1/ 165.
(5) ومنه قوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة: 20] ،وقوله تعالى: وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: 118] ، وقوله تعالى: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: 230] ، وقوله تعالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: 53] .
(6) تفسير القرطبي 1/ 376.
(7) تفسير ابن عثيمين 1/ 166.
(8) الموسوعة القرآنية وخصائص السور 1/ 263.