- {مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} الْإِشَارَةُ إِلَى الذَّبْحِ وَنَحْوِهِ وَالْبَلَاءُ هُنَا فِي الشَّرِّ وَالْمَعْنَى: وَفِي الذبح مكروه وامتحان [1] .
-مناسبة قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} لما قبله ظاهرة جدًا، وذلك أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى تسلُّطَ آل فرعون عليهم ذكر مآل هؤلاء المتسلطين، وأن الله أغرقهم، وأنجى هؤلاء، وأورثهم أرضهم، كما قال الله تعالى: {وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [2] .
- {وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ} {فَرَقْنَا} فَلَقْنَا. وَأَصْلُ الْفَرْقِ الْفَصْلُ، وَمِنْهُ الْفُرْقَانُ لِأَنَّهُ يَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَيْ يَفْصِلُ. وَمَعْنَى {بِكُمُ} أَيْ لَكُمْ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَكَانِهَا أَيْ فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ أَيْ صَارُوا بَيْنَ الْمَاءَيْنِ [3] .
- {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} في الْبَحْرَ، وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ يُسْرِيَ مِنْ مِصْرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَمَرَهُمْ مُوسَى أَنْ يَسْتَعِيرُوا الْحُلِيَّ وَالْمَتَاعَ مِنَ الْقِبْطِ وَأَحَلَّ اللَّهُ ذَلِكَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَسَرَى بِهِمْ مُوسَى مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَأُعْلِمَ فِرْعَوْنُ فَقَالَ: لَا يَتْبَعُهُمْ أَحَدٌ حَتَّى تَصِيحَ الدِّيَكَةُ فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ وَأَمَاتَ اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَثِيرًا مِنْ أَبْنَاءِ الْقِبْطِ فَاشْتَغَلُوا فِي الدَّفْنِ وَخَرَجُوا فِي الْأَتْبَاعِ مشرقين كما قال تعالى {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [4] . وَذَهَبَ مُوسَى إِلَى نَاحِيَةِ الْبَحْرِ حَتَّى بَلَغَهُ. وَكَانَتْ عِدَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَيِّفًا عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَكَانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ [5] .
-أن الآل يدخل فيهم من ينتسبون إليهم، فقد قال تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} ، وفرعون قد غرق بلا شك، كما قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [6] .
-بيان قدرة الله تعالى على كل شيء، فهذا الماء السيال أمره الله تبارك وتعالى أن يتمايز، وينفصل بعضه عن بعض، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم. أي كالجبل العظيم، وثم وجه آخر من هذه القدرة: أن هذه الطرق صارت يبسًا في الحال مع أنه قد مضى عليها سنون كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجلّ والماء من
(1) تفسير القرطبي 1/ 387.
(2) سورة الشعراء: الآية 59.
(3) تفسير القرطبي 1/ 387.
(4) سورة الشعراء: الآية 60.
(5) تفسير القرطبي 1/ 389.
(6) سورة يونس: الآية 90.