فوقها، ولكنها صارت في لحظة واحدة يبسًا، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [1] .
-إن إغراق عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه، فإغراقه، أو إهلاكه نعمة، وكون عدوه ينظر إليه نعمة أخرى، لأنه يشفي صدره، وإهلاك العدو بيد عدوه أشفى، كما قال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [2] .
-سخِر الله تعالى من فرعون، فأغرقه الله تعالى بالماء الذي كان يفتخر بجنسه، وأورث موسى أرضه الذي وصفه بأنه مهين، ولا يكاد يبين، وقد كان فرعون يقول: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} [3] .
- {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أَيْ بِبَصَائِرِكُمُ الِاعْتِبَارُ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي شُغْلٍ عَنِ الْوُقُوفِ وَالنَّظَرِ بِالْأَبْصَارِ [4] .
-حكمة الله تبارك وتعالى في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينَزِّل عليه فيها التوراة. مع أنه سبحانه وتعالى قادر على أن يَنزِّلها في ليلة مرة واحدة [5] .
- {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وَالْأَرْبَعُونَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ ذُو الْقَعْدَةِ وَعَشَرَةٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ جاوز البحر وسأل قَوْمُهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَخَرَجَ إِلَى الطُّورِ فِي سَبْعِينَ مِنْ خِيَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصَعِدُوا الْجَبَلَ وَوَاعَدَهُمْ إِلَى تَمَامِ أربعين ليلة [6] .
-اتخاذهم العجل كان عن ظلم، لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} وهذا أبلغ، وأشنع في توبيخهم، والإنكار عليهم [7] .
- {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} العفو: عفو الله عز وجل عَنْ خَلْقِهِ وَقَدْ يَكُونُ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ وَقَبْلَهَا وَكُلُّ مَنِ اسْتَحَقَّ عُقُوبَةً فَتُرِكَتْ لَهُ فَقَدْ عُفِيَ عَنْهُ فَالْعَفْوُ: مَحْوُ الذَّنْبِ أَيْ مَحَوْنَا ذُنُوبَكُمْ وَتَجَاوَزْنَا عَنْكُمْ. {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أَيْ مِنْ بَعْدِ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ، وَالْعِجْلُ وَلَدُ الْبَقَرَةِ [8] .
(1) سورة طه: الآية 77.
(2) سورة التوبة: الآيتان 1415.
(3) سورة الزخرف: الآيتان 5152.
(4) تفسير القرطبي 1/ 392.
(5) تفسير ابن عثيمين 1/ 182.
(6) تفسير القرطبي 1/ 395.
(7) تفسير ابن عثيمين 1/ 182.
(8) تفسير القرطبي 1/ 397.