ولا يضيع حظك، من الدنيا فِي هذه الأيام والليالي، من كثرة تحريك لسانك فِي نفسك بذكر الله تسبيحًا وتهليلًا وتحميدًا، والصلاة عَلَى رسوله نبي الرحمة وإمام الهدى - صلى الله عليه وسلم -.
وإن الله بمنه ورحمته جعل ولاة الأمر خلفاء فِي أرضه، وجعل لهم نورًا يضيء للرعية ما أظلم عليهم من الأمور فيما بينهم وبين ما اشتبه من الحقوق عليهم.
وإضاءة نور ولاة الأمر إقامة الحدود، ورد الحقوق إِلَى أهلها بالتثبت
والأمر البين. وإحياء السنن التي سنها القوم الصالحون أعظم موقعًا، فإن أحياء السنن من الخير الذي يحيا ولا يموت.
وجور الراعي هلاك الرعية، واستعانته بغير أهل الثقة والخير هلاك للعامة. فاستتمَّ ما آتاك الله يا أمير المؤمنين من النعم بحسن مجاورتها، والتمس الزيادة بالشكر عليها، فإن الله تبارك وتعالى يقول فِي كتابه العزيز: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم:7} .
وليس شيء أحب إِلَى الله من الإصلاح، ولا أبغض إليه من الفساد، والعملُ بالمعاصي كفر النعم. وقلَّ من كفر قوم قط النعمة ثُمَّ لم يفزعوا إِلَى التوبة إلا سلبوا عزهم، وسلط الله عليهم عدوهم.
وإني أسأل الله يا أمير المؤمنين الذي منَّ عليك بمعرفته فيما أولاك أن لا يكلك فِي شيء من أمرك إِلَى نفسك، وأن يتولى منك ما تولى من أوليائه وأحبائه؛ فإنه وليُّ ذلك والمرغوب إليه فيه.
وقد كتبت لك ما أمرت به وشرحته وبينته، فتفقهْهُ وتدبره وردد قراءته حَتَّى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك فِي ذلك ولم آلُك والمسلمين نصحًا ابتغاء وجه الله وثوابه وخوف عقابه." [1] "
وعَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ بِاليَمَنِ، فَلَقِيتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، ذَا كَلاَعٍ، وَذَا عَمْرٍو، فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَقَالَ لَهُ: ذُو عَمْرٍو: لَئِنْ كَانَ الَّذِي تَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ صَاحِبِكَ، لَقَدْ مَرَّ عَلَى أَجَلِهِ مُنْذُ ثَلاَثٍ، وَأَقْبَلاَ مَعِي حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، رُفِعَ لَنَا رَكْبٌ مِنْ قِبَلِ
(1) - [الخراج لأبي يوسف ص:5] فما بعدها -المطبعةالسلفية ومكتبتها القاهرة