المبحث السادس والعشرون
الحرية وضوابطها في الإسلام [1]
جعل الإسلام"الحرية"حقًا من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخليًا، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن"الحرية"أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256] .
فنفي الإكراه في الدين، الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضيًا غير مجبر، مختارًا غير مكره.
والحرية حق مكفول لجميع الناس، فالله- تبارك وتعالى- خلق الإنسان ومنحه حرية اختيار العقيدة والدين وحرية التعبير عن الرأي وحرية التصرف، قال - تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (29) سورة الكهف.
وقال مخاطبًا نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (99) سورة يونس.
عن أنس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - إذ جاءه رجل من أهل مصر، فَقَالَ:"يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بِكَ، قَالَ: وما لك؟ قَالَ: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام مُحَمَّد بن عمرو فَقَالَ: فرسي ورب الكعبة، فلما دنا مني عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة فَقَامَ إلي فضربني"
(1) - قد أفردت هذا الموضوع بكتاب خاص بعنوان"مفهوم الحرية بين الإسلام والجاهلية"