فهرس الكتاب
وقال الماوردي:"وَالثَّانِي: مَا تَعَلَّقَ فِيهِ بِشُبْهَةٍ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَمُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ ارْتِكَابُهُ لِلْمَحْظُورَاتِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ تَحْكِيمًا لِلشَّهْوَةِ وَانْقِيَادًا لِلْهَوَى، فَهَذَا فِسْقٌ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَمِنِ اسْتِدَامَتِهَا، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مَنِ انْعَقَدَتْ إمَامَتُهُ خَرَجَ مِنْهَا، فَلَوْ عَادَ إلَى الْعَدَالَةِ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِمَامَةِ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ." [1]
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: (اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ مَعَ الْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَلَّا يُنَازِعُوا الْأَمْرَ أَهْلَهُ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ. فَأَمَّا أَهْلُ الْفُسُوقِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ فَلَيْسُوا لَهُ بِأَهْلٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:"لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"وَلِهَذَا خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَخَرَجَ خِيَارُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعُلَمَاؤُهُمْ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَأَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَامُوا عَلَيْهِمْ، فَكَانَتِ الْحَرَّةُ الَّتِي أَوْقَعَهَا بِهِمْ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ.) [2]
وقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ:"وَكُلُّ مَنْ كَانَ ظَالِمًا لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً وَلَا حَاكِمًا وَلَا مُفْتِيًا، وَلَا إِمَامَ صَلَاةٍ، وَلَا يُقْبَلُ عَنْهُ مَا يَرْوِيهِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْأَحْكَامِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُعْزَلُ بِفِسْقِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَحْكَامِهِ مُوَافِقًا لِلصَّوَابِ مَاضٍ غَيْرَ مَنْقُوضٍ. وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ عَلَى هَذَا فِي الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ أَنَّ أَحْكَامَهُمْ لَا تُنْقَضُ إِذَا أَصَابُوا بِهَا وَجْهًا مِنَ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَخْرِقُوا الْإِجْمَاعَ، أَوْ يُخَالِفُوا النُّصُوصَ." [3]
وقال ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير:"وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِالْإِمَامَةِ لِاتِّصَافِهِمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الظُّلْمِ كَالشِّرْكِ وَتَحْرِيفِ الْكِتَابِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ شَهَوَاتِهِمْ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى إِذَا عَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ عَلِمُوا انْطِبَاقَهُ عَلَيْهِمْ."
وَإِنَاطَةُ الْحُكْمِ بِوَصْفِ الظَّالِمِينَ إِيمَاءً إِلَى عِلَّةِ نَفْيِ أَنْ يَنَالَهُمْ عَهْدُ اللَّهِ فَيَفْهَمُ مِنَ الْعِلَّةِ أَنَّهُ إِذَا زَالَ وَصْفُ الظُّلْمِ نَالَهُمُ الْعَهْدُ.
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي (ص:42) والإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة (ص:84) والخلافة (ص:46) محمد رشيد رضا زيادة مني
(2) - تفسير القرطبي (2/ 108)
(3) - تفسير القرطبي (2/ 109)