فهرس الكتاب
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً» [1]
قال القرطبي:"فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام، والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك. ويحتمل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل يسوّغ للأمير بوجهٍ يظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به. وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، ويصحّ الجمع، والله أعلم." [2]
قلت: وهذا هو الصواب، وقد أبعد الشيخ صالح بن عثيمين رحمه الله النجعة عندما قال معلقا على الحديث:"وكذلك الأمراء، إذا قيل لواحد مثلًا: أمر الولي بكذا وكذا، قال: لا طاعة له؛ لأنه مخل بكذا ومخل بكذا، وأقول: إنه إذا أخل بكذا وكذا، فذنبه عليه، وأنت مأمور بالسمع والطاعة، حتى وإن شربوا الخمور وغير ذلك ما لم نر كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، وإلا فطاعتهم واجبة؛ ولو فسقوا، ولو عتو، ولو ظلموا. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ) ) [3] ."
فهذا كلام بعيد عن الصواب قطعًا ....
ومثله في البعد والغرابة قول الشوكاني رحمه الله في النيل حيث قال معلقا:"فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَإِنْ بَلَغُوا فِي الْعَسْفِ وَالْجَوْرِ إلَى ضَرْبِ الرَّعِيَّةِ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَيَكُونُ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] وَقَوْلِهِ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] " [4]
قلت: لا يصح هذا التخصيص أصلًا، وقد جاءت أحاديث تناقض هذا التفسير منها عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [5]
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَظْلَمَتِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [6]
(1) - صحيح ابن حبان - مخرجا (10/ 426) (4562) صحيح
(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (12/ 89)
(3) - شرح رياض الصالحين (3/ 232)
(4) - نيل الأوطار (7/ 207)
(5) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 454) (3541) وهو حديث صحيح مشهور
(6) - السنن الكبرى للنسائي (3/ 454) (3542) صحيح لغيره