الصفحة 26 من 99

وَخَمْسِمِائَةٍ، فَصَمَّمُوا الْحَمْلَةَ وَجَعَلُوا يَتَذَامَرُونَ وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ"الْبَقَرَةِ"بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَلْجَأُوهُمْ إِلَى حَدِيقَةٍ هُنَالِكَ - وَتُسَمَّى حَدِيقَةُ الْمَوْتِ - فَتَحَصَّنُوا بِهَا، فَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، فَفَعَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ الْأَكْبَرَ، مَا ذُكِرَ مِنْ رَفْعِهِ عَلَى تُرْسِهِ فَوْقَ الرِّمَاحِ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ أَعْلَى سُورِهَا، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ وَنَهَضَ سَرِيعًا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ وَحْدَهُ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ فَتْحِ بَابِ الْحَدِيقَةِ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ يُكَبِّرُونَ وَانْتَهَوْا إِلَى قَصْرِ مُسَيْلِمَةَ وَهُوَ وَاقِفٌ خَارِجَهُ عِنْدَ ثُلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقَ، أَيْ مِنْ سُمْرَتِهِ، فَابْتَدَرَهُ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْأَسْوَدُ قَاتِلُ حَمْزَةَ بِحَرْبَتِهِ، وَأَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ شَيْخُنَا هَذَا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ - فَسَبَقَهُ وَحْشِيٌّ فَأَرْسَلَ الْحَرْبَةَ عَلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ فَأَنْفَذَهَا مِنْهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَعَلَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَتَلَهُ، لَكِنْ صَرَخَتْ جَارِيَةٌ مِنْ فَوْقِ الْقَصْرِ تَنْدُبُ مُسَيْلِمَةَ، فَقَالَتْ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمُرَ مَسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، يَوْمَ قُتِلَ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَهُوَ مِمَّنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ." [1] "

وفي إقرار الصحابة لهذا الفعل دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة.

والأمثلة كثيرة جدا في هذا الباب

27 -قال ابن كثير رحمه الله:"وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَضَى خَالِدٌ يُرِيدُ الْعِرَاقَ حَتَّى نَزَلَ بِقُرَيَّاتٍ مِنَ السَّوَادِ يُقَالُ لَهَا: بَانِقْيَا، وَبَارُوسْمَا، وَأُلَّيْسٌ وَصَاحِبُهَا جَابَانُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا. [2] "

قُلْتُ: وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الصُّلْحِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: دِينَارٍ. فِي رَجَبٍ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ بُصْبُهْرَى بْنُ صَلُوبَا، وَيُقَالُ: صَلُوبَا بْنُ بُصْبُهْرَى. فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهَا

(1) - البداية والنهاية ط هجر (9/ 333)

(2) - صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت