الدين وأما إن رأى فاسقًا متغلبًا وعنده سيف وبيده قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجهًا وهو عين الهلاك
فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرًا ويفديه بنفسه فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له بل ينبغي أن يكون حرامًا
وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر أو ظهر لفعله فائدة وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه" [1] ."
23 -وقال ابن حزم: وَلَمْ يُنْكِرْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنْ يَحْمِلَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، عَلَى الْعَسْكَرِ الْجَرَّارِ وَيَثْبُتَ حَتَّى يُقْتَلَ.
وَقَدْ ذَكَرُوا حَدِيثًا مُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ «أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشُدُّ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَحْمِلُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:أَتُرَاكَ قَاتِلٌ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ اجْلِسْ، فَإِذَا نَهَضَ أَصْحَابُكَ فَانْهَضْ وَإِذَا شَدُّوا فَشُدَّ» وَهَذَا مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ سَأَلَهُ مَا يُضْحِكُ اللَّهُ مِنْ عَبْدِهِ؟ قَالَ: غَمْسُهُ يَدَهُ فِي الْعَدُوِّ حَاسِرًا فَنَزَعَ الرَّجُلُ دِرْعَهُ وَدَخَلَ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى قُتِلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» [2] ..
24 -وقال النووي: وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا. [3]
وقال في قصة عمير بن الحمام: فِيهِ جَوَازُ الِانْغِمَارِ فِي الْكُفَّارِ وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ" [4] ."
25 -وقال العز بن عبد السلام: التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةٍ فِي الْكُفَّارِ، لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنُّفُوسِ إنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ إعْزَازِ الدِّينِ بِالنِّكَايَةِ فِي الْمُشْرِكِينَ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ النِّكَايَةُ وَجَبَ الِانْهِزَامُ لِمَا فِي الثُّبُوتِ مِنْ
(1) - إحياء علوم الدين (2/ 319)
(2) - المحلى بالآثار (5/ 344)
(3) - شرح النووي على مسلم (12/ 187)
(4) - شرح النووي على مسلم (13/ 46)