الصفحة 51 من 99

وفعل الغلام وأصحاب الأخدود، نظير لقصة ماشطة ابنة فرعون (الدليل 5) ،وكلهم أثنى على فعلهم الشارع، وأقدمت الماشطة على الموت وآثرت ما عند الله وأنطق الله رضيعها ليحثها على الإقدام لما تقاعست من أجله.

ولقد سقنا من الأدلة ما يؤيد هذين الحديثين من شرعنا، ولم يأت من شرعنا ما يعارض بذل النفس لأجل إعلاء كلمة الله، فكان ما في مضمون الحديثين شرعًا لنا على قول الجمهور.

31 -عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَشَيْتُ يَوْمَ الْجَمَلِ وَبِي سَبْعٌ وَثَلاثُونَ جِرَاحَةً مِنْ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ يَوْمِ الْجَمَلِ قَطُّ، مَا يَنْهَزِمُ مِنَّا أَحَدٌ، وَمَا نَحْنُ إِلا كَالْجَبَلِ الأَسْوَدِ، وَمَا يَأْخُذُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ أَحَدٌ إِلا قُتِلَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابٍ فَقُتِلَ، فَأَخَذَهُ الأَسْوَدُ بْنُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ فَصُرِعَ، وَجِئْتُ فَأَخَذْتُ بِالْخِطَامِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ! وَمَرَّ بِي الأَشْتَرُ، فَعَرَفْتُهُ فَعَانَقْتُهُ، فَسَقَطْنَا جَمِيعًا، وَنَادَيْتُ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا، فَجَاءَ نَاسٌ مِنَّا وَمِنْهُمْ، فَقَاتَلُوا عَنَّا حَتَّى تَحَاجَزْنَا، وَضَاعَ الْخِطَامُ .. [1]

وفي قصة عبدالله ابن الزبير في تصارعه مع الأشتر التي شاهد على رسوخ مسألة فداء الدين بالنفس إذا كانت المصلحة تقتضي ذلك، علمًا أن الأشتر كان باغيًا ولم يكن كافرًا، ولكنه هو الذي ألب الناس على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلما ظفر عبد الله بن الزبير به يوم الجمل رأى أن قتله سيخمد الفتنة، لذا أراد أن يفدي بنفسه من أجل إخماد الفتنة، فلما حاول الأشتر التفلت من بين يدي ابن الزبير قال ابن الزبير قولته المشهورة (اقتلوني ومالكًا) - أي الأشتر -،لأن من أراد أن يقتل الأشتر من أصحاب عبدالله أثناء الصراع لا يمكن أن يفرد الأشتر بضربة تقتله، فعلم عبد الله أن هذا مانع لأصحابه من عدم قتل الأشتر وحده، فأمرهم بذلك، وأراد أن يفدي بنفسه من أجل قتل باغ هو رأس في الفتنة كل ذلك لمصلحة الدين، وما أظن من كان هذا فقهه لنصر الدين أن يتردد لحظة بتفجير

(1) - البداية والنهاية ط هجر (10/ 467) وتاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (4/ 519) و (4/ 525)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت