الصفحة 95 من 99

قلنا: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يُقْتَل، وهذا ربما يُظَن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] قَالَ «لَيْسَ التَّهْلُكَةُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنِ الْإِمْسَاكُ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [1] ،أي: من لم يفعل ذلك، فقد أهلك نفسه"،وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فِي قَوْلِهِ: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَنْ يُذْنِبَ الرَّجُلُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: لَا يُغْفَرُ لِي، فَأَنْزَلَ الله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ". [2]

وقال النووي في"شرح مسلم":"وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ فِي الْمُبَارَزَةِ وَنَحْوِهَا" [3] .

وقال القرطبي في"تفسيره":"قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَوْ حَمَلَ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ وَحْدُهُ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إِذَا كَانَ يَطْمَعُ فِي نَجَاةٍ أَوْ نِكَايَةٍ فِي الْعَدُوِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ للمسلمين. فإن كان قصده تجريه الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصْنَعُوا مِثْلَ صَنِيعِهِ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ، وَلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ. وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ إِرْهَابَ الْعَدُوِّ وَلِيُعْلِمَ صَلَابَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ. وَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَلِفَتْ نَفْسُهُ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَتَوْهِينِ الْكُفْرِ فَهُوَ الْمَقَامُ الشَّرِيفُ الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ:"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ" «7» [التوبة:111] الْآيَةَ، إِلَى غَيْرِهَا مِنْ آيَاتِ الْمَدْحِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ" [4] .

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (3/ 314) صحيح

(2) -وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، يَعْنِي نَحْوُ قَوْلِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، إِنَّهَا فِي الرَّجُلِ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ، فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَيْ يَسْتَكْثِرُ مِنَ الذُّنُوبِ فَيَهْلَكُ"تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 392) "

(3) - شرح النووي على مسلم (12/ 187)

(4) - تفسير القرطبي (2/ 364)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت