بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .
فتلك صورة من صور التأثر الوجداني لسماع القرآن. وإن أعينهم لتفيض من الدمع مما عرفوا من الحق؛ وإن للطريقة التي يعرض بها هذا الحق لأثرًا لا شك فيه، يفصح عنه ما ورد في موضع آخر:
{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} .
وكذلك هذه الصورة عن {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} :
{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
هكذا: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} ، {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} . {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} ... فهو التأثير الذي يلمس الوجدان، ويحرك المشاعر، ويفيض الدموع. يسمعه الذين تهيأوا للإيمان، فيسارعون إليه خاشعين، ويسمعه الذين يستكبرون عن الإذعان، قيقولون: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِين} ، أو يقولون: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} . فيقرون بالإعجاز الغلاب من حيث لا يشعرون، أو يشعرون!