عَنْ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ» الْحَدِيثَ. قُلْتُ: هُوَ حِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، إِذْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ كَافِرًا، أَوِ ارْتَدَّ مِنْ شِدَّةِ الْجِرَاحَةِ، أَوْ قَتَلَ نَفْسَهُ مُسْتَبِيحًا مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ ظَنًّا عَلَى الدَّوَامِ وَالْإِقْنَاطِ الْكُلِّيِّ فَضْلًا عَنِ الْقَطْعِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ بِصَدَدِ أَنْ يَحْمِلَهُ الضَّجَرُ وَالْحُمْقُ وَالْغَضَبُ عَلَى إِتْلَافِ نَفْسِهِ، وَيُسَوِّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّ الْخَطْبَ فِيهِ يَسِيرٌ، وَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أُخْرَى حَرُمَ قَتْلُهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِهِ مُطَالِبٌ مِنْ قِبَلِ الْخَلْقِ فَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، أَعْلَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمُكَلَّفِينَ أَنَّهُمْ مَسْئُولُونَ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمُعَذَّبُونَ بِهِ عَذَابًا شَدِيدًا، وَأَنَّ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيمِ كَقَتْلِ سَائِرِ النُّفُوسِ الْمُحَرَّمَةِ اهـ. [1]
وقال العباد:"استعمال السم حرام؛ لأنه ضرر، وفيه قتل للنفس، وفي هذا الحديث: (أن من حسا سمًا ومات به فإنه يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) ،وهذا الخلود الأبدي نسبي وليس كخلود الكفار الذي ليس له نهاية، فكل من مات غير مشرك بالله عز وجل فأمره إلى الله: إن شاء عفا عنه ولم يعذبه، وإن شاء تعذيبه فإنه يعذبه ويطهره، ثم بعد ذلك يخرجه من النار ويدخله الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها. وهذا الحديث فيه أن الجزاء من"
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2262)