السابع: وبناء على ذلك فإن أكثر (المتهمين) بالتجسس هم ممتنعون عن القدرة، محتمون بالشوكة، مقيمون في (دار حرب) لا سلطان للمسلمين عليها، آوون إلى ركن شديدٍ من القوة، لا يمكن بسببه التعامل معهم تعاملًا قضائيًا خالصًا، وكيف ستقاضي من لا سلطة لك عليه، ولا قدرة لك على إحضاره ومساءلته، ولا سبيل لإلزامه بحكم وإجباره عليه؟!
وكون هؤلاء الجواسيس يمثلون بمجموعهم طائفة ممتنعة وفِرقةً صائلة على الدماء والأموال هذا مما لا ينبغي أن يُختلف فيه، وليس هذا هو موطن البحث ومحله، وإنما في الكيفية التي يثبت بها شرعًا انتماء الواحد منهم إلى هذه الطائفة الممتنعة الصائلة.
ولو افترضنا أن هؤلاء الجواسيس يمارسون نفس أعمالهم علانية ومجاهرة مع انتمائهم لأجهزة الاستخبارات المتعددة والتي تعهدت بحمايتهم والدفاع عندهم، فعندها لا تكاد تجد أحدًا يتردد في وصفها بأنها طائفة ممتنعة قد أوجب الشرع قتالها حتى تكف شرها وتفيء إلى أمر الله وتكون كلمته -سبحانه- هي العليا.
فتخفيها وإسرارها لا يغير من حقيقة الامتناع شيئًا بل يؤكده ويوطده، كما أنه لا يمحو الجرائم والمفاسد التي تقترفها وتتفنن في أدائها، بل هؤلاء كما ذكرت مرارًا هم شر وأضر من جيوش الكفر السافرة الجاهرة بحربها والمصرحة بامتناعها، فليس بينهما -من حيث قيام أصل الإفساد في الدين والدنيا- من الفروق إلا الإسرار والإشهار، والإخفاء والإبداء، والإبطان والإعلان، ولم نسمع أحدًا من الأولين والآخرين أوجب على المجاهدين أن يثبتوا تهمة (المظاهرة والمعاونة) بشاهدين أو إقرار في حق من انضوى في صفوف الكفار مجاهرًا معلنًا، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ أَبُو الْيَسَرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ أَبُو الْيَسَرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا وَكَانَ الْعَبَّاسُ رَجُلًا جَسِيمًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِلْعَبَّاسِ: يَا عَبَّاسُ افْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ جَحْدَمٍ أَخَا أَبِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ؛ فَإِنَّكَ ذُو مَالٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ مُسْلِمًا