وفي رواية: فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَانَ اللَّهَ، خَانَ رَسُولَهُ، ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا؟"قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ قَدْ نَكَثَ وَظَاهَرَ أَعْدَاءَكَ عَلَيْكَ [1] ."
فهذا يدل على أن المتقرر عند عمر رضي الله عنه أن مظاهرة الكفار: كفر وردة.
الوجه الثاني: إقرار الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) لما فهمه عمر وإنما ذكر عذر حاطب.
الوجه الثالث: أن حاطبًا قال: وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا، وَلاَ رِضًا بِالكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ.
وهذا يدل على أنه قد تقرّر لديه أيضًا أن مظاهرة الكفار (كفر وردة ورضا بالكفر) .
فإذا كان هذا قد يظن في مثل صورة عمل حاطب رضي الله عنه مع أنه قد خرج غازيًا مع الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بنفسه وماله مناصرًا له ومظاهرًا له على أعدائه المشركين، ولم يظاهر الكفار ولم ينصرهم بنفس ولا مال، ولكن احتمل عمله هذا فقيل فيه ما قيل، فكيف بمن ظاهر الكفار فعلًا وظاهرهم وأعانهم على المسلمين، لا شك أنه أولى بالأحكام المذكورة في هذا الحديث.
الدليل الثاني: عنِ الزُّهْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ سَمَّاهُمْ، فَذَكَرُوا الْقِصَّةَ وَقَالُوا فِيهَا: فَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ، فَفَدَى كُلُّ قَوْمٍ أَسِيرَهُمْ بِمَا رَضُوا، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ مُسْلِمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَعْلَمُ بِإِسْلَامِكَ، فَإِنْ يَكُنْ كَمَا تَقُولُ فَاللهُ يَجْزِيكَ بِذَلِكَ، فَأَمَّا ظَاهِرًا مِنْكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، فَافْدِ نَفْسَكَ وَابْنَيْ أَخِيكَ نَوْفَلَ بْنَ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَلِيفَكَ عُتْبَةَ بْنَ عَمْرٍو أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ» ،قَالَ: مَا إِخَالُ ذَاكَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:"فَأَيْنَ الْمَالُ الَّذِي دَفَنْتَهُ أَنْتَ وَأُمُّ الْفَضْلِ؟ فَقُلْتَ لَهَا: إِنْ أُصِبْتُ فِي سَفَرِي هَذَا فَهَذَا الْمَالُ لِبَنِيَّ: الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَقُثَمِ بْنِ الْعَبَّاسِ؟"فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ اللهِ، إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا عَلِمَهُ أَحَدٌ غَيْرِي، وَغَيْرَ أُمِّ الْفَضْلِ، فَاحْسُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَصَبْتُمْ مِنِّي عِشْرِينَ أُوقِيَّةً مِنْ مَالٍ كَانَ مَعِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا، ذَاكَ شَيْءٌ أَعْطَانَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْكَ» ،فَفَدَى نَفْسَهُ وَابْنَيْ أَخَوَيْهِ
(1) - مسند أبي يعلى الموصلي (1/ 319) (397) فيه ضعف