فهرس الكتاب
وقد لوحظ في العديد من الاجتهادات التي ذكرت عن عمر -رضي الله عنه- أنه ما كان ينفرد دوما برأيه إنما كان يحاول أن يشرك غيره من الصحابة معه، ويقبل مراجعتهم له، وقد تجلى هذا واضحا في تقسيم الأرض المفتوحة على الغانمين في خلافة عمر -رضي الله عنه- فقد استشار عمر عشرة من الأنصار ، خمسة من الأوس وخمسة من الخزرج، من كبرائهم وأشرافهم وذلك بعد أن استشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، وبعد أن مكث أياما -رضي الله عنه- عاد ليقول لهم وجدت حجة في كتاب الله، حتى اتفقوا جميعا على ما ذهب إليه عمر -رضي الله عنه-، وهذا يشبه تماما عمل المجامع الفقهية اليوم، وكذا في عدم تطبيق حد الزنا لامتناع شروطه، وكذا في مسألة جمع القرآن، وفي دية الجنين الذي سقط بسبب خوف أمه من عمر، فاستشار في ذلك عليا وعثمان، فاختلفا ثم أخذ برأي على -رضي الله عنه-، وفي هذا تنبيه إلى أهمية الاجتهاد الجماعي في القضايا الجديدة والتي تحتاج إلى البحث من زوايا عدة كالقضايا الطبية، والاقتصادية، وقضايا المعاملات الجديدة، وكذا ما يتصل بالحروب في العصر الحديث، كمسألة خطف الرهائن وغيرها.
(2) القياس
كان القياس مركوزا في رأس سيدنا عمر -رضي الله عنه- وذلك للموقف الذي حدث له وهو صائم، عندما قبَّل زوجته، وجاء يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفهمه المسألة بالقياس، فعن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب:"هشِشت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم؟. قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به. قال: فمه".
قال الخطابي:"في هذا إثبات القياس والجمع بين الشيئين في الحكم الواحد؛ لاجتماعهما في الشبه، وذلك أن المضمضة بالماء ذريعة لنزوله الحلق ووصوله إلى الجوف، فيكون فيه فساد الصوم، كما أن القبلة ذريعة إلى الجماع المفسد لصومه، فإذا كان أحد الأمرين منهما غير مفطر للصائم فالآخر بمثابته".